كتب د. سعيد محمد الكحلوت على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
طار جسد أختي الشهيدة ذات قصف، وتجاوز عمارتين وشارعًا.
أما زوجها ــ الله يرحمه ــ فقد وُجد بعد يومين، في حارة مجاورة.
في بداية الحرب، وإثر قصف على بيت جيراننا، وجد أهل الحي جسد إحدى الشهيدات كما هو، على فراشها، مستقرًا فوق الطابق الخامس في عمارة ملاصقة لبيت الشهيدة الكفيفة.
قال الناس شرحًا على الحدث:
"لقد حملتها الملائكة وهربت بها إلى مكان آمن... لقد كانت نائمة تمامًا."
لا أعلم، هل يصح لي أن أستخدم فعل "طار" في هذا الموضع؟ أم لا؟
لكن قوة الانفجارات التي نشهدها في هذه الحرب تجعلني أقول إن الأجساد تحاول أن تنجو بنفسها، فتهرب، حتى ولو طارت خارج دائرة النار، هاربة من الجحيم.
رائحة الانفجارات تختلط بالدم المحترق والحديد المنصهر.
والصوت؟ صوت الانفجار كأن السماء انشقت عن غضبها، يزلزل الأرض تحت أقدامنا، ويصم آذاننا حتى لا نعود نسمع إلا أزيز الخوف وهو يعوي داخل رؤوسنا.
لم يُخلق الله الأجساد حتى تحرقها الانفجارات، أو تقطّعها شظايا الحديد التي تُكمل دورة انصهارها الفيزيائية في لحمنا وعظمنا، ولا حتى لتحاصرها كتل أعمدة الأسمنت الضخمة التي تجثم على صدورنا حتى نموت.
في إحدى الجلسات العلاجية، قال لي الوالد، وهو الناجي الوحيد من أسرته الصغيرة، إنه بعد قصف العمارة ظل يتحدث مع طفله أكثر من نصف ساعة، حيث كان الطفل عالقًا تحت الركام، يهمس بألم يخبو ثم يخبو وسط أنين الحديد والتراب، حتى استسلم أخيرًا وسلّم روحه الصغيرة إلى بارئها.
ولم تتمكن طواقم الدفاع المدني لاحقًا من انتشال الأسرة، وظلوا، كغيرهم من مئات الأسر، عالقين تحت الركام، مع الصمت الثقيل ورائحة الموت العالقة في الهواء.
تحت هذا السطح يسكن الشهداء التالية أسماؤهم: من الرقم 1 حتى الرقم 52.
هكذا غيرت إحدى العائلات مكان إقامة أبنائها تحت السطح، والسطح لم يعد سطحًا.
" لم يمت أحدٌ تلك أرواحٌ غيّرت شكلها مقامها."
بالأمس، رأيت صورًا لأجساد تطير فوق، فوق، خلال الانفجارات المتواصلة على المدينة.
جبال النار تتجاوز أعلى الأبراج، والسحب من الدخان الكثيف تخنق الأفق بلون أحمر قاتم، كأنما السماء تنزف.
لماذا تهرب الأجساد إلى الأعلى؟
كأنها، في لحظة الرعب القصوى، تُسابق اللهيب الذي يلتهم الأرض.
الخوف يضخ في أوصالها طاقة غريبة، وكأنها تحاول أن تُحلّق بذعرها، أن تهرب من قدرها ولو للحظات، تشعر بها أنها حرة في دائرة اللاشعور.
بتنا نعرف الآن، وبعد خبرة تقترب من السنتين في أدوات وتقنيات الموت، أنه لا إسعافات، ولا مستشفيات، ولا حتى معدات للدفاع المدني قادرة على نجدتنا أو انتشال جثثنا من تحت المدينة التي تحوّلت إلى أكوام من الركام.
أتساءل:
أليس عند العالم أدوات قتل أرحم من تلك التي تفتك بنا؟
أدوات بسيطة، تمكننا من أن نموت بهدوء، دون أن نحترق، أو تتمزق أجسادنا، أو نصبح كتلاً من اللحم المحروق "كل عشرين كيلو شهيد"، يُكدّسون في أكياس سوداء.
لماذا علينا أن نهرب من أقدارنا إلى السماء، أو إلى أحياء مجاورة؟
"هنا نفعل ما يفعله الصاعدون إلى الله: ننسى الألم"
"يا الله، كيف الناس طارت فوق!"
تصرخ امرأة وهي تراقب، بعينين متسعتين من الهلع، الأجساد التي تهرب من دائرة النار المتصاعدة، تلوّح لها ألسنة اللهب، تبحث عن باب السماء لتدخله... إلى الأبد، وإلى الأبد.
د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة فلسطين