كتب يحيى الشولي على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
في طريقي إلى السوق، مررت بالمخيم المجاور، حيث تبدو الحياة وكأنها تتعلق بأطراف حلم ممزق. هناك، نادتني طفلة بصوت لم أكن بحاجة إلى سماعه مرتين. التفتُّ، فإذا بها خلود، إحدى طالباتي الصغيرات اللاتي حُرمن من دروسهن بعد أن قررت الحرب أن تعود دون موعد. كانت واقفة بجوار والدها، الذي كان يغرس أوتاد خيمته الجديدة كما لو كان يحاول إرساء جذر لحياة تُجتَث كل يوم.
تقدّمت نحوي بخطى ثابتة، وبيد صغيرة لم تكن تعرف التردد، أمسكت بيدي وقالت بصوت لم يحمل رجفة واحدة: "أستاذ يحيى... خالد استشهد."
لم تحتج إلى تفسير، فقد قرأت في عينيها كل التفاصيل، كما قرأت في قلبي مقدار ما كان لهذا الطفل من مكانة. كان خالد مزيجًا نادرًا من البراءة والجموح، طفلاً يركض نحو المستقبل كأنه يطارد طائرة ورقية في سماء بلا حدود.
كان أول من ينتظرني كل صباح عند باب الخيمة التعليمية في تلك المنطقة الحدودية، يمد يده الصغيرة لمصافحتي قبل أن يبدأ يومه، وكأنها طقس لا يصح الدوام بدونه. في البداية، لم ألتفت إليه كثيرًا، حتى جاء يوم وجدت فيه رأسه يستكين على فخذي اثناء الاستراحة، وجدته غافياً وسط ضجيج الحياة وكأنني ظلٌّ آمن لجسده المتعب. عندها، أدركت أن بيننا رباطًا صامتًا، أعمق من كل الكلمات.
أخبرني زميلي أن الطفل وجد فيَّ ملاذًا، وأن عليّ أن أكون جديرًا بذلك، كنت أعلم ذلك دون أن يخبرني أحد، فقد بدأنا رحلتنا معًا كما تبدأ الطيور رحلتها الأولى نحو الأفق دون أن تسأل عن الطريق. علّمته كيف ينطق الشعر، كيف يضع الخطوط الأولى لأحلامه على الورق، وكيف يرسم الأمل حتى لو كان بالألوان التي تصنعها الحرب. كان خالد مجتهدًا كما لو أن العالم كله كان ينتظر أن يرى إبداعه، وكما لو أن الوقت لم يكن كافيًا أبدًا لكل ما يريد أن يتعلمه.
كيف أرثيك يا خالد؟ كيف أنعي خسارتي فيك، وأنا أعلم أنني فقدت أكثر من طالب؟ فقدت حلمًا كان ينمو بين يديّ، زهرةً كانت تتفتح في أرض قاحلة، وروحًا كانت تحاول أن تُحلّق رغم أن السماء هنا محجوزة للموت.
لن أطلب منك أن تعذرني على كثرة أسئلتي، لأن رحيلك يتركني أمام أسئلة أعقد من أن تجد إجابة. هل من الصواب أن نحزن على حياة كان يديرها الحمقى؟ أم أننا ببساطة نحزن لأننا لم نكن قادرين على إنقاذها؟ ما قيمة متابعة الأخبار، عندما يكونوا بالفعل قد تنازلوا عن أحلامك قبل أن يتفاوضوا على بقية الأوهام؟
في كل دقيقة، يزداد يقيني بأن هذا العالم موحش، لا يليق به أن يصحو على عيونٍ بجمال عينيك كل صباح.