أصوات من غزة

أرشيف خاص

محمود الطفل الضاحك

الكاتب

ملاك السويركي

المكان

مدينة غزة

تاريخ الحدث

2024-02-05

اسم الباحث

سُرى صقر

كتبت ملاك السويركي على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:

داخلَ هذهِ الأرض، يقفُ أخي محمود..
يمدُّ يديِّهِ الطويلتينِ كما أغصانِ الزيتونِ مُمّسّدَاً فيهما دموعَ الثكالى وعازماً أن تقلعا كلَّ العشبِ الأشعثِ فوق قبرِه وتغرسا بدلاً مما قلعتْ ورداً بريّاً مجنوناً.. يعانقُ محمودُ جذورَ الوردِ الذي نما فوقَ قبرِه لتشتمَّ خالتي رغدة في ميلانِ شقائقِ النُعمانِ خلالَ النسيمِ رائحةَ طفولتِه وشبابِه وحتّى رائحة كهولتِه الذي حُرِمَ منه.
ومحمود، كلما سالتْ دَمعةٌ من مُقلةِ أمِهِ على قبرِه، يرى أشواكَ ورداتِه كبُرَتْ وأصبحتْ أقسى، ليعانقَ هو سيقانَها أكثرَ فأكثر فيُخدَشَ وجهُهُ كي يجعلَ خالتي رغدة تشفقُ على تلك الدماءِ النازفةِ، فتطبطبُ على وجنتيِها لتسحبَ بكاءَ قلبِها للداخلِ ولا يراه محمود.
ومحمود، يحملقُ في كفتيِّه ليرَاهُما بنفسجيتينِ فيذكرُ العهدَ الذي اعتادَ فيه حملَ (قالونات) المياه، ليركضَ من لحدِه الأخيرِ إلى كلّ أرضٍ يسيرُ فوقَها أخوه فيمهّدُ الأرضَ لهُ ويحملُها محمودٌ على كتفيِه كيلا يحُسَّ أخوه بثقلِ ما يجرُّ من المياه فلا يذكرُ كيف أنَّ محمود لو كان موجوداً لساعدَهْ، فيأخذُ بالبكاء على فقدانِه مرةً أُخرى. 
ومحمود، يحملُ الفراشاتِ النائمةَ على الأزهارِ الناميةِ من جراحِه ويرسلُها كي تطبعَ قُبْلةً على وجناتِ أخواتِه فتزهو وجوههنّ وتتفتّحُ كالوردِ الجوريِّ، تماماً كما كانت تصيرُ حينما يقابلنَّه، ويبعثُ لأطفالهنَّ حينما تغيبُ أنظارُهنَّ عنهم باقاتٍ من الشوكولاتةِ والعوّامةِ كما اعتاد. 
ومحمود، يزيحُ رائحةَ التّرابِ من أنفهِ كي يستطيعَ لحاقَ رائحةِ علبِ حليبِ الأطفالِ حينما تمرُّ بجانبِه، فيحرُّكُ أجنحةَ العصافيرِ التي تنامُ على قبرِه لتذهبَ وتهمسَ في أذنِ خالتي رغدة عن المكانِ الأرخصِ لبيعِه فتشتري منه كمياتٍ لأحفادِها.
ومحمود، يعلمُ أنّ لا أحدَ ينادي أمي بلقبِها "أمُّ أحمد" كما يفعلُ هو بعنفوانِه الخاصّ، لذا كلما باتتْ أمي ليلةً، يأتِها في حُلُمِها متبسماً ويرددُّ لها كما اعتادَ على عتبةِ بابِ بيتنا: "أهلاً أم أحمد!".
ومحمود، يعلمُ أنّه لن يشتريَ لنا أحدٌ كاسترد بلذِّة الذي اعتاد شراءَه لنا، ويعلمُ أنه لن يشتريَ لنا أحدٌ شوكولاتةَ الكِندَر التي أصبحت بسعرٍ ثمينٍ إن لمْ يشترِها هو لنا، من يشتري لنا الكاسترد والكِندَر من بعدِك يا محمود؟
اليوم، نحملُ الكاسترد، العوّامةَ، شوكولاتةُ الكِندَر، علبَ حليبِ الأطفال، وأخبارَ المخابزِ والحربِ، ونسيرُ لقبرِك على رمشِ أعينِنا، نخرجُ من البابِ الذي اعتادَ أن يطيرَ فرحةً حينما تدّقُ عليه يدُك ثُكالى ولا نبكيك، لن نبكيَك، ليس اليومَ على الأقل، إن اليومَ الوحيد الذي سنُخرِجُ فيه بؤبؤَ أعيننا من البكاء، هو اليوم الذي تغيبُ أنتَ فيه.. لكنّك لم تغب، من قال أنك ستغيب؟
*في الصورة الأولى من اليسار إلى اليمين ومن المقدّمة إلى الوراء يقفُ محمود ابن خالتي رحمه الله حينما كان صغيراً وبجانبه فرح أختي ويليهما محمد ابن خالتي نجاة ثم من الخلف يأتي معتصم أخو محمود ثم بسمة ابنة خالتي وداليا أخت محمود، في الصورةِ الثانية تقفُ أختي فرح في المقدّمة وفي الوراء يقف محمود ضاحكاً كالوردِّ الجوريِ الأجمل قبل سبعةِ عشر سنة❤️*
ملاحظة:
لن أضعَ أي صورةٍ لمحمود حينما ارتقى لتظلّ ذكرانا الأخيرة عنه حينما كان طفلاً ضاحكاً لم تمزّق بسمته شظايا الصواريخ ولا ظلمَ العالم بعد.

مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2026-06-28

شارك