كتبت فايقة الصوص (أم أيمن الصوص) على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:
طريق الآلام
الأحد 9 فبراير 2025 صباحاً .. استمعت إلى نشرات الأخبار التي أكٌَدت على انسحاب جيش الاحتلال من حاجز نتساريم بعد تفكيك كامل تحصيناته، فأيقنتُ أن الانتقال من الجنوب إلى الشمال أصبح أمراً مُيَسَّراً، وغاب عن بالي أن سفينتنا دوماً تعاندها الرياح !!
صليتُ الظهر وخرجت من بيتي في مخيم البريج لزيارة الأهل في الشمال، ولو كنتُ أعلم أنني في عِداد المسافرين لصليتُ العصر جمع تقديم !!
وصلت إلى مدخل المخيم، التقيتُ بثلاثة ركاب كانوا مثلي متجهين إلى الشمال
اتفقنا مع سائق سيارة أجرة لتوصيلنا إلى دوار السرايا في مدينة غزة، لننطلق منه إلى بيت لاهيا في الشمال.
الواحدة ظهراً.. تحركت بنا السيارة شمالآ نحو حاجز نتساريم عبر شارع صلاح الدين، ولايزال في اعتقادنا أننا سنواصل السير دون عوائق، وسنصل السرايا في أقل من ربع ساعة ..
ما إن قطعنا مسافة مئتي متر تقريباً، حتى تبدَّدَ الأمل في رحلة مُيَسَّرة، حيثُ مئات المركبات تحمل النازحين وأمتعتهم كانت مصطفة على الشارع تنتظر دورها في المرور عبر الحاجز.
فأخذنا نتساءل :
_ ما سبب هذا الاصطفاف الهائل للمركبات أمام الحاجز ؟!
_ ألم تنشر وسائل الإعلام خبر تفكيك الاحتلال لتحصيناته وانسحابه من الحاجز ؟!
_ أليس من المفروض ان نسير الآن دون عوائق ؟!
الكثير من التساؤلات أثارت دهشتنا، فنحن نسمع عن اتفاقية الهدنة لكننا نجهل الكثير من خباياها، حتى أصبحنا أشبه بالأطرش في الزفة !!
باتت لدينا قناعة أن الليل سيدخل قبل أن نجتاز الحاجز، وربما نبيتُ في الشارع،، هكذا يقول الكم الهائل من المركبات التي تصطف أمامنا على شارع صلاح الدين .
اقترحَ السائق أخذ طريق التفافي، لتفادي الانتظار الطويل في العراء، وتحت برد شباط مُتَقَلِّب المزاج ..
هكذا اجتهد، ووافق الجميع.
التفَّ السائق بسيارته يساراً نحو الغرب، مررنا بشركة الكهرباء وأطراف المخيم الجديد، والجسر ثم سار بنا عبر الطريق المؤدي إلى قرية المغراقة.
مشاهد الدمار تغطي الأرض على امتداد البصر ، حتى أنك تحتاج إلى دليل لتتعرف على معالم المنطقة التي كنت تحفظها ..
الآليات العسكرية جرَّفت الطريق بشكل جنوني، فتركت فيه حفراً كبيرة تجعل السيارة تسير متثاقلة، تطلع ثم تهبط، فترتطم في الأرض بين الحين والآخر، فتخلعنا عن الكراسي، ثم تخبطنا وتردُّنا جالسين..
نطق أحد الركاب: "بِدنا دبابة نتنقَّل فيها".
وأردفَ آخر: شايف قصتنا حزينة.
الطريق موحش، وسائل المواصلات مقطوعة عنه. سائقنا "غشيم" ونحن وإياه لم نُميِّز شيئاً وسط هذا الخراب،
قطعنا حوالي ثلاثة كيلومترات والسائق يتساءل باستغراب: هيَّ الطريق ملهاش اخر ؟؟!!
وآخر يقول: "راح الكثير ولم يبق إلا القليل" ، في حين أن لا أحد منا يعرف ما تَبَقّى من الطريق للوصول إلى نقطة الالتقاء بحاجز نتساريم اللعين !
في الأثناء، وبينما نعيش حالة التيه قابلتنا سيارة عائدة من حيث نحن ذاهبون، فسألنا سائقها؛
_ وين بتروح هذه الطريق؟
= مش عارف حاجة، وهيني راجع!!
بعدها بقليل تبعتنا سيارة ، يبدو ان سائقها يستدل بنا !!
فقال سائقنا: طيب احنا هُبُل ، وماشيين ع البركة، ليش هذا السَّوّاق ماشي ورانا ؟؟!!
ضحكنا جميعاً ضحكة مخبول ، ثم صمتنا صمت مقهور واستمرت السيارة تطوي الطريق...
الطريق طويل، رأيناه طويلاً جداً، مُمِلّاً، قاتلاً ، هكذا تشعر عندما تكتئب، فيمرُّ الوقت بطيئاً مُلْقياً بثقله على قلبك
هذا لأنهم اغتالوا الحياة في أرضنا وجعلوها أطلالاً تحوم عليها الغربان .
وأخيراً ، وبعد وجع القلب، وكآبة المنظر وصلنا حاجز !!
لكنه حاجز من نوع آخر، يجبرنا على النزول من السيارة، ليس للتفتيش ولكن لنكمل طريقنا الطويل مشياً على الأقدام .
إنه أخدود، أو خندق، سمِّه ما شئت، حفرته جرافات الاحتلال بعمق متر ونصف تقريباً، وألقت بالطين المجروف على جانبي الطريق وعند مدخله، فشكَّلت سلسلة من تِلال أغلقته ..
أخذ السائق أجرته وعاد أدراجه..
وقفنا على أرض المغراقة، وبقي لنا أن نجاهد كي نجتاز الخندق والتّل لنصل إلى البر الثاني من الطريق!
ألقيتُ بنظري يميناً، فوجدتُ حفرة في الخندق أقل عمقاً، تتّكِئ على تلَّة أقل ارتفاعاً، ناديتُ الركاب؛ رفاق طريق الآلام، هبطنا خطوات في الحفرة، ثم صعدنا التلة، ثم نزلنا منها إلى طريق طويل ممتدّ شمالآ لم نعرف آخره!
مشينا مع الطريق، وعلى جانبيه حاجزان من تلال الطين والأخدود، التقينا بمشاة مثلنا، سألناهم عن موقعنا على الخريطة، فلم نجد من يعطينا جواباً شافياً، بقينا نعيش حالة التيه إلى ان التقينا برجل سبعيني، سألناه:
_ هذه أرض المغراقة؟!
= صحيح
_ كيف لنا أن نلتقي بحاجز نتساريم ؟
= خليكم ماشيين مع هذا الطريق حتى تصلوا آخره عند "جامع السقا"، بعدها خذوا طريقكم نحو اليمين وسترون الحاجز أمامكم .
_ الجامع بعيد ؟
= لا .. أقل من عشر دقائق مشي.
مشينا متفائلين ، وصلنا جامع السَّقا، وجدناه كومة من ركام، ومئذنته المطلية بالدهان الطلياني الجميل مُنهارة إلى جانب الكومة.
اتجهنا يميناً، وصلنا مفترق طرق حيث يلتقي المشاة بمركباتهم بعد خروجهم من الحاجز.
الضجيج والعجيج سيدا المكان، الجنود المصريون يقومون تنظيم السير باستخدام مكبرات الصوت اليدوية.
وقفت عند المفترق أتأمل الطريق..
أمامي بضع كيلومترات للوصول إلى مدينة غزة، وعليَّ الانطلاق حالاً ..
يجب ان أجد وسيلة تنقلني.. أعلم أن الأمر غاية في الصعوبة، حيث لا وجود هنا لمواصلات عامة، كما أن مركبات العائدين إلى الشمال تحمل أضعاف طاقتها من الأفراد وأمتعتهم، ولا مجال لزيادة شخص معهم!
ومع هذا فقد بقيت على يقين بأن الله لن ينساني ..
بالفعل.. لم تَطُل حيرتي، وقد انفرجت ازمتي حين وقفت لي شاحنة كبيرة تحمل أفراداً من عائلة تربطني بهم صداقة قديمة، كانوا عائدين مع عفشهم إلى بيتهم في حي الشجاعية بعد نزوح طويل ،،
الرابعة عصراً، حين أوصلوني مشكورين إلى سوق البسطات في الشجاعية الذي يبعد 9 كيلومترات عن مدخل مخيم البريج الذي انطلقت منه الساعة الواحدة ظهراً ..
ثلاث ساعات من رحلة عذاب احتجناها لنقطع مسافة 9 كيلومتر عبر طريق يليق به ان يُسَمّى بـ "طريق الآلام" ..
كنا نجتازه في 7 دقائق فقط لنصل من مخيمنا إلى الشجاعية عبر شارع صلاح الدين، أي بمسافة رشفات من فنجان قهوة ..
وأخيراً.. وبعد ساعة أخرى وصلت إلى بيت لاهيا ، إلى بيت اهلي واحبتي حيث المغرب قد اقترب..
سعدنا باللقاء بعد غياب عام ونصف من الحرب، فضفضنا عن قلوبنا حكايا الموت والجوع ،،
ودعتهم في اليوم التالي، وعدت إلى بيتي في مخيم البريج عبر شارع صلاح الدين ،
وأثناء عبوري من حاجز نتساريم ، تكشَّفت لي أسباب تكدّس السيارات على طريقه ، ومعاناة المارين من خلاله،،
فكل ما سمعنا من تسهيلات كانت كاذبة ..
حيث أن حاجز نتساريم لايزال موجوداً بكامل تحصيناته من أسلاك شائكة ، وسواتر طينية، ومكعبات إسمنتية، ومضاء بأعمدة الكهرباء على مدار الساعة.
وجيش الاحتلال لم يخرج من المنطقة، وإنما أعاد تموضعه شرقاً بحيث لا يظهر للعيان، وجهاز الفحص بالأشعة السينية X_ray لايزال موجوداً ، وإجراءات التفتيش لاتزال قائمة، وقوات الأمريكان لايزالون بأسلحتهم وكاميراتهم متحصنين خلف المكعبات الإسمنتية في الحاجز يراقبون التحركات ونتائج الفحص، والجنود المصريون يقومون بخدماتهم على الأرض .
فعلى الراغبين في زيارة الشمال تحضير أرواحهم لرحلة عذاب يُحَدِّثون عنها أولاد أولادهم ..
#ام ايمن الصوص (أ. فائقة الصوص)