منذ حوالي عشر سنوات اكتسبت عادة رمضانية جميلة، أن أصلي التروايح كل يوم في مسجد، خلال الشهر الفضيل كنت أزور ثلاثين مسجدا، وعلى سبيل صناعة الذكريات احتفظت بمذكرة كتبت بها أسماء المساجد التي اصلي بها في كل عام .
في كل عام أكتشف مساجدا جديدة، بعضها قديم جدا وبعضها تم افتتاحه مؤخرا وقتها .
صليت في أحياء راقية وشعبية وريفية وفي المخميات، كنت أتناول وجبة الأفطار ثم أنتعلُ حذاءً رياضياً، وأمضي مخترقاً شوارع غزة. في الأحياءِ الراقية، كانت المساجدُ تلمعُ بضوءِ الثرياتِ المنعكسِ على الرخامِ البارد، وتفوحُ منها رائحةُ البخورِ الفاخر.
أما في المخيماتِ والأحياءِ الشعبية، فكانت الجدرانُ التي نخرتها الرطوبةُ تضجُّ بحرارةِ أجسادِ المصلين المتلاصقة، وتختلطُ فيها أدعيةُ الشيوخِ المبحوحةِ بصياحِ أطفالٍ يركضون في الباحاتِ الخارجية
في بداية الشهر الفضيل تكون المساجد تعج بالمصلين انها حلاوة البدايات، ومأ اجمل بدايات كل شيء!
وفي نهاية الشهر تضوع روائح كعك ومعمول العيد من بين الأزقة الفقيرة، ويتقافز الأطفال يحملون قطع الكعك السخن بأيدهم يلعبون في الشوارع الضيقة.
لا أدري الآن وانا أكتب هذه المذكرة أين ذهب هؤلاء الأطفال؟
من منهم مازال حيا ومن منهم فقد أسرته وبقى الناجي الوحيد يكابد عناء الرحلة مجردا من الاسرة؟
ومن منهم في الاسر بعد أن خط الشعر على وجهه الصغير ملامح الرجولة المبكرة؟
ترى أين ذهبت الأمهات اللاتي يصنعن الكعك؟ في أي خيمة يتجشمن عناء النزوح ونار الحرب ؟
هل يفكرن في اعداد الكعك هذا العام ؟ أم أنهن مازلن في حالة حداد على الأطفال الضحايا والمفقودين؟
لا املك أي إجابات عن أي سؤال من تلك الأسئلة، لكنني حزين وقد حرمت هذه العادة، وحزين أكثر على اقتلاع المساجد من جذروها.
وبي حسرة كبيرة أن أصوات الاذان في المواصي حيث أنزح الآن ضعيفة جدا وفي بعض الايام نفطر تقديرا حسب مواعيد الجوال لأننا لا نسمع آذان المغرب!
د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة فلسطين