كتب مأمون أبو صلاح على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
قصة "Gaza Tech Mentorship" – من الألم إلى الأمل والبناء
بعد عشرة شهور من إطلاق مبادرة **الإشراف والمتابعة لمشاريع التخرج التقنية في جامعات وكليات غزة**، والتي عُرفت باسم "Gaza Tech Mentorship"، أجد نفسي اليوم أعود إلى أصل الحكاية.
ليست الأرقام ما يدفعني للكتابة، بل الإصرار على الاستمرار، والإيمان بأن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بالعمل الجماعي.
البداية من قلب المعاناة
مررت بظروف عصيبة، وفقدت في لحظة — كحال أي غزّي — كل شيء.
توقفت عن العمل لعامٍ كامل وأصيب أخي، وتركزت حياتي حول العلاج والإجراءات الطبية حتى يومنا هذا.
ومع أول لحظة عدت فيها للعمل، كنت أبحث عن (شيء يُعيد البناء)، يُعيد أو يبقي الحياة إلى مجتمعنا التقني، ويمنحنا جميعًا فرصة جديدة.
الفكرة التي جمعت القلوب
منذ أيام الجامعة، كنت أؤمن بالعمل الجماعي والنشاطات التطوعية، ولذلك بعد العودة للعمل بدأت التفكير في بناء مساحة توحّد جهود التمكين والتطوير.
هذه الفكرة لاقت دعمًا واسعًا من مهندسي ومطوري قطاع غزة رغم صعوبة ظروفهم، ومنهم:
م. محمد البطراوي (رحمه الله)، م. صالح معروف، م. إخلاص العايدي، م. مصطفى السويسي، م. حسام دهليز، م. مجد الديرواي.
وكذلك م. علاء الصالحي والذي بدوره كان يمثل التعاون مع مجتمع غزة التقني ، وم. كريم عايش وغيرهم من المهندسين الذين يعتز بهم.
كما لعب المهندس أحمد عيسى دورًا محوريًا في دعم المبادرة، مؤمنًا بأهمية الإشراف والإرشاد كنبراسٍ لروح الشهيد المهندس عمر زيارة.
من غزة إلى العالم
بفضل دعم أحمد عيسى، توجهت إلى T4P، حيث عرضت المشروع، فكانت شراكة فتحت الأبواب نحو العالم.
توسعنا لنحصل على مشرفين من كل دول العالم، واليوم يضمّ الفريق أكثر من **400 مرشد من مخلتف الدول**.
كما انضمت إلينا المهندسة قمر الصفدي، التي ساهمت في إيصال صوتنا إلى المهندسين والمشرفين المتطوعين في مصر، مما فتح بابًا جديدًا للتعاون والتوسع.
من المبادرة إلى منظومة تمكين
لم نكتفِ بالإشراف على مشاريع التخرج فقط، بل وسّعنا الأنشطة لتشمل:
* جلسة إرشاد مع **م. أحمد حسنين**.
* جلسة حول **أدوات الذكاء الاصطناعي** مع **م. أحمد حق**.
* توفير **أدوات مدفوعة** لدعم بعض المشاريع المميزة.
وبالطبع، كما في أي تجربة حقيقية، عرفنا **النجاح والفشل معًا**. لكن الفشل لم يكن نهاية، بل درسًا يرسّخ أهمية استمرار هذه الجهود كمشروع مجتمعي دائم ومتجدد.
ثمار صغيرة... لكنها حقيقية
قدمت المبادرة قصص نجاح متعددة — بين مشاريع تخرج أُنجزت، وفرص تدريب وتوظيف، وشبكات تواصل مهنية — ربما لم تُروَ بعد، لكنها حقيقية.
في كل مرة شعرت فيها بالتعب، كان شيء داخلي يعيدني للمسار، لأن الهدف دائمًا كان بناء **مجتمع تقني متعاون** يجسر الفجوة بين **الخبراء** و**الجيل الصاعد**.
في غزة، يغيب التعليم الوجاهي وتقل الكوادر التعليمية، لذلك يصبح وجود المرشد والمعرفة المشتركة "أملاً لا رفاهية".
حلم مؤجل... لكنه حيّ
من بين ما مررت به، كانت نقطة التحول عندما وصلت إلى **القائمة القصيرة (Shortlisted)** في منحة **تشيفنينج**، بعد حصولي على **عرض غير مشروط (Unconditional Offer)** من جامعة **آبردين**.
لكن للقدر مسارٌ آخر — كله خير.
واليوم، أؤمن أن ما ضاع لم يكن خسارة، بل إعادة توجيه نحو خدمة الآخرين في بلدي بشكل أقوى وأكثر من السابق.
مجتمع لا يُهزم
أدرت ربط المشرفين بالطلبة مباشرة، وتابعت المجموعات دون أي تدخل إداري.
كنت أستمد العزيمة من دعم الأصدقاء والمشرفين، ومن كلمات صديقي الشهيد **محمد البطراوي** رحمه الله الذي قال لي قبل رحيله:
> *"استراحة إيش؟ بدي إياك مدهام."*
التكنولوجيا في خدمة الرسالة
استثمرت الأدوات الحديثة في خدمة الفكرة، فبنيت **صفحة هبوط** باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتبسيط الانضمام وتنظيم المبادرة.
شاركتها عبر حساباتي، ثم دعمتها **T4P** بمحتوى تسويقي ومقالات تعريفية.
النتيجة؟ أكثر من **400 مرشد جديد** من مختلف دول العالم في أقل من عام.
ما القادم؟
اليوم، وبعد عشرة شهور من الانطلاق، لم يعد أمامي سوى المضيّ قُدمًا.
أنا ممتن لكل من ساهم في بناء هذا الحلم، ورحم الله من تركوا لنا الإرث والأثر.
في المرحلة القادمة، سنعمل على **تنظيم أكبر**، وفتح **فرص تطوع جديدة**، لأن أكثر من **3000 موهبة تقنية** بانتظارنا سنويًا.
وأتمنى أن أحصل على فرصتي للدراسة في جامعة آبردين — لا كحلم شخصي فحسب، بل كخطوة نحو **بناء مجتمع فلسطيني تقني يلتقي مع العالم**.
الختام
بإمكاننا معًا **تغيير الواقع وبناء المستقبل**.
كل ما نحتاجه هو **إرادة واحدة** وروح جماعية لا تعرف الاستسلام.