أصوات من غزة

أرشيف خاص

سلخانة بشرية!

الكاتب

أنسام القطاع

المكان

مدينة غزة

تاريخ الحدث

2025-09-13

اسم الباحث

عمار اليوزباشي

كتبت أنسام القطاع على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:

عند الساعة الواحدة ظهرًا تقريبًا، كنتُ أسير مع عائلتي بالقرب من محطة تمراز في شارع النفق، متجهة نحو شارع المشاهرة. فجأة، ألقت طائرة استطلاع "كواد" قنبلة متفجرة في الشارع. كان صوت الانفجار يصمّ الآذان، فركضتُ مع أمي وأخي سامح وزوجة أخي محمد باتجاه محل ميكانيكي قريب.
في ثوانٍ قليلة، شعرت بألم حاد في قدميّ. اعتقدت بدايةً أنه مجرد خوف من شدة الضربة، لكن سرعان ما بدأ الدم يتناثر من قدميّ اليمنى واليسرى، ومن خاصرتي أيضًا. لم أكن الوحيدة المصابة، إذ وجدت أخي سامح ينزف ويشعر بالدوار، وأمي التي كانت تنزف من كامل جسدها، لكنها رغم ذلك حاولت جاهدة أن تطمئن علينا جميعًا، تتحرك نحوي تارةً، وتارة نحو سامح، وأخرى نحو هالة زوجة أخي محمد. لم تشعر بألمها، كان خوفها علينا أقوى من جراحها.
بقينا نصف ساعة كاملة عند الميكانيكي دون أن تصل سيارة إسعاف، حتى تطوّع بعض الشبان المتواجدين وربطوا جروحنا بقوة لإيقاف النزيف. وبعدها عثرنا على سيارة خاصة أقلّتنا إلى المستشفى. لكن حتى هناك لم يكن الطريق سهلاً، فالطواقم الطبية كانت تواجه سيلًا من الإصابات، وكل مصاب ينتظر دوره.
لم أستطع أن أمنع دموعي؛ بكيت بشدة، دموع لم أذرفها من قبل—كأن كل ما تراكم داخلي خرج دفعة واحدة. شعرت بخوف رهيب، الخوف الذي رافقني منذ بداية هذه الحرب: الخوف من أن تكون الشظايا قد أصابت شريانًا، وأن قدمي تحتاج بترًا. فكرت، بصراحةٍ قاسية، أنني أفضل الموت عن أن أفقد جزءًا من جسدي الذي بقي مني.
حين وصلت الطبيبة، حولتني إلى الأشعة. بالكاد تمكنت من السير نحو الغرفة، لكن المفاجأة أن جهاز الأشعة كان بحاجة إلى شحن! انتظرت نصف ساعة كاملة حتى شُحن الجهاز، ولحسن حظي كنتُ أول من دخل. بعدها خضعت لتضميد جراحي وغادرت البيت منهكة بعد رحلة شاقة.
لكن إصابتي في القدم اليسرى عادت تنزف بشدة، فذهبت إلى مستشفى أخرى إلى مجمع الشفاء الطبي نظرا لقربه من مكان نزوحي، وهناك تبيّن أن جرحي يحتاج إلى تنظيف وتعقيم وعدّة غرز. أثناء ذلك، فقدت وعيي من شدة التعب والإرهاق.
المشهد داخل المستشفى كان أشبه بمجزرة صامتة؛ ممرات مكتظة بالمصابين، ووجوه مضرجة بالدماء، وصرخات تملأ المكان. وقفت بجانب مصاب ملقى على الأرض، كان يصرخ بحرقة وهو ينادي خطيبته التي فقدت حياتها للتو. لم يشعر بوجعه، كان ألم الفقد أكبر من ألم جراحه. وإلى جانبه، أم تبكي وتستغيث لإنقاذ ابنها الذي ينزف.
في تلك اللحظات شعرت أن المستشفى لم يعد مستشفى، بل "سلخانة" بشرية، حيث الجراح المفتوحة والآلام التي تفوق قدرة البشر على الاحتمال. كنا جميعًا مدنيين، لكن الضربات لم تترك لنا شيئًا سوى الألم والدمار.
في غزة، يصبح الإنسان محظوظًا إن دخل المستشفى وخرج منه بجسدٍ كامل.
مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1
الكلمات المفتاحية
الكواد كابتر طائرة استطلاع

تاريخ النشر

2026-07-21

شارك