أصوات من غزة

أرشيف خاص

النزوح.. مآسٍ لا تنتهي

الكاتب

سعيد محمد الكحلوت

المكان

مدينة غزة

تاريخ الحدث

2025-08-18

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتب د. سعيد محمد الكحلوت على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:

بعيداً، هناك في الذاكرة الخلفية جداً، تجلس كلمة نزوح. أتذكر هذا حين كان عمري سبع أو ثماني سنوات، يوم كانت أمي تتحدث عن إخوتها النازحين في الأردن ومنها الى بلدان عربية أخرى بعد هزيمة العرب في نكسة ٦٧.
كانت أمي كلما تذكرت أن إخوتها نازحون تجهش بالبكاء. وما زالت حتى رحل خالي الأول، وحتى رحلت هي، تبكي ذكراهم وتحنّ إليهم. وما زلنا نحن نعيش على خيطٍ من الشوق يمتد بيننا وبينهم، مداده لا ينقطع. تلك الرائحة التي تفوح من ذاكرتها رائحة أمي… وما أحلاها من رائحة.
في اليوم الثالث للحرب وجدت نفسي أنا أيضاً أحمل صفة النازح. تدمر بيتي، وخرجت أركض بملابسي، أضم أطفالي إلى صدري وأمسك بيد زوجتي، أهرب إلى الشارع أبحث عن أمان، بينما الموت يزحف على جلودنا ويهمس فحيحاً في آذاننا، ونحن نركض من محطة إلى أخرى، خائفين، مذهولين.
تنقلت بين محطات كثيرة أبحث عن شيء من الاستقرار، عن الكرامة، فلم أجد الأولى ولا عثرت على الثانية.
إن فكرة النزوح ذاتها تتناقض مع أبسط قيم حقوق الإنسان. فلا هي استقرار، ولا هي كرامة، ولا هي حياة تستحق أن يُبكى عليها. لكنها الروح، والروح غالية.
عدا عن أن الفلسطيني مجبر أن يدفع من لحمه الحي، وعظامه الهشة، وفلذات كبده، أجرة هذا العناء.
تتراوح تكلفة النزوح بين 500 و1000 دولار: ما بين أجرة النقل، وثمن الخيمة، وأشياء تافهة جداً مثل أدوات الطبخ والملابس وخط مياه وحَمام .
وللأسف، فإن معظم الناس فقراء، لا يملكون هذا المبلغ عدّاً ونقداً. وإن حاولوا سحب ما تبقى لهم من رصيد بنكي ـ إن كان لهم رصيد ـ فسيدفعون ضعفه عمولةً ابتدعها أعوان الاحتلال من التجار الفُجار الدُعار.
كلما تقدمت الدبابات نحو مدينة، أسمع القصص ذاتها: أناس كثيرون لم يخرجوا، لا لأنهم يتحدّون أوامر الحرب الصارمة تحت وابل النار، بل ببساطة لأنهم لا يملكون ثمن الخروج.
"الدبابات عالشارع يا دكتور، وقسماً بالله ما معي أطلع. أمانة بدي أحمل أغراضي عَ حمار وأميل عليك تحاسبه أنت."
هذا نص رسالة نصية من أحد معارفي حين حوصر في الاجتياح الأول لتل السلطان برفح. أجبته فوراً: "اطلع حالاً." وخرج الرجل حاملاً أطفاله وما استطاع من متاع، وانتظرته على الطريق. وفي الليل اقتحمت الدبابات الحي. ولو لم يخرج، لكانت جنازيرها قد فرمت خيمته فوق من فيها.
الناس اليوم في حيرة لم يعرفوا مثلها من قبل . الفقر، والطقس، وغلاء الأسعار، والجوع، كلها تجتمع لتخنقهم. الطريق بعيدة جداً، والأماكن مكتظة بالنازحين من مناطق أخرى دُمّرت، وأجور التنقل باهظة لا يقوى عليها حتى صاحب هذه السطور، وهو يحمل شهادة الدكتوراه في تخصصه، وهو موظف درجة ثانية فما بالك بعامة الناس.
هذا يعني أن كثيرين سيضطرون للسير على أقدامهم: فيهم المرضى ، والمصابين ، والمسنين والمبتورين ، والاطفال والنساء … في مشهدٍ لن يرضي صديقاً، ولن يسرّ عدواً، مشهد سيحملون في ذاكرتهم القصيرة ذكرى قاسية لعودتهم "الميمونة" من الجنوب قبل ستة أشهر. وربما لن يعودوا بعدها إلى مدنهم أبداً في أعمارهم الحالية.
أكتب هذا وأنا مثقل بالأسى على عالمٍ ابن قحبة، وعلى عدو مسعور اتفقا معاً على تجريد الفلسطيني حتى من حقه في الوجود كمجتمع بشري مستقر.
حزيناً، أوجه هذه الرسائل:
الرسالة الأولى: إلى الإخوة في الوفد المفاوض:
أرجو أن تضعوا في اعتباركم فقر الناس، وعجزهم، وقلة حيلتهم، وهوان هذا الشعب على العالم. التفتوا إلى حساسية اللحظة،التفتوا إلى حساسية اللحظة، ولا تراهنوا على صحوةٍ مفاجئة لجسد الأمة العربية؛ فنحن نناشد جثةً، لو علم الله بها خيراً لبعثها. منذ اللحظة الأولى، ونحن نقترب اليوم من عتبة السنتين قتلاً وتدميراً وجوعاً. والله لو شعرت الجبال بما نشعر، لتحركت نصرةً للطين المشترك في مادة خلق كلينا. فلا تراهنوا عليهم، واتركوهم يغنون ويرقصون بينما يُباد إخوانهم على بُعد أغنيةٍ منهم وكعب راقصة.
الرسالة الثانية: إلى الاحتلال:
لديك طريقة سهلة للقضاء على غزة مرةً واحدة وللأبد. الفرصة أمامك سانحة، فلا أب لنا ولا أم، ولن يسأل عن دمنا أحد. وقد نادى بعض قادتكم باستعمال القنبلة النووية لتُريحكم منا دفعة واحدة، افعلوها الآن ولا تنتظروا.
الرسالة الثالثة: إلى أهلي في غزة الجريحة:
والله إنكم تقتربون من مرتبة الأنبياء في الصبر والصمود. لا تيأسوا من روح الله، واحتسبوا هذا الخذلان أجراً عند الله، فعنده سبحانه وتعالى لا تضيع الودائع.
 
د. سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة – فلسطين
مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1
الكلمات المفتاحية
نزوح العودة

تاريخ النشر

2026-07-20

شارك