كتب الصحفي سامي أبو سالم على حسابه الرسمي على موقع فيسبوك:
وصلت إلى ما تبقى من مشفى الشفاء بغزة، استوقفني رجل يحمل كيسا أبيض على كتفه في قاعه أشياء وسأل:
• هل أنت صحفي؟
• نعم
• هل لك أن تصور الشهيد وتنشر صورته ليتعرف عليه أهله؟
• أين الشهيد؟
• على كتفي؟
• أين؟
• ها هو
أنزل عن كتفه الكيس وفتحه، جمجمة وأسنان بيضاء وبضع عظام وبقايا ملابس مخضبة بعجين الدم والرمل، لكن دون رائحة الموتى التي ألفناها، بدأت رائحته وكأنه قتل قبل بضع ساعات.
• ما هذا؟ من أين أتيت به
• من منطقة الواحة (غرب شمال جباليا) ذهبت أبحث عن طحين فوجدته ملقى على الأرض، يبدو أنه استشهد حديثا لكن الكلاب أكلته.
نصحته أن يسلم الجثمان (الهيكل العظمي) إلى المستشفى للمعاينة والتحّقق والتوثيق الرسمي وتسجيل شهادته قبل التصوير والنشر.
أشار لي أن هناك شهداء آخرين لكن لا يستطيع أن يصلهم أحد ولا حتى طواقم الإسعاف وإلا فالموت المحتم، ومصابون ينزفون حتى الموت. أغلق الكيس وطوى فوهته وألقى به على كتفه ثانية وغاص بين الزحام.
على قارعة الساحة الخارجية جثة شهيد في كفن أبيض بلاستيكي كُتب عليها "مجهول"، بانتظار من يتعرف عليه. بين الفينة والأخرى يصل نسوة وشبان أنهكهم الجوع والحر في حالة من الهلع. ووصلت امرأة وجلست على ركبتيها قرب الجثمان وأمسكت بالسحّاب (السوستة) ويدها ترتجف فتحت الكفن بقوة ونظرت لوجه الشاب، لم تتأكد، مسحت وجهه وكشفت عن أسنانه وقالت "مش هو"، أغلقت السحّاب وقالت: "الله يرحمك ويصبّر أمك"، ثم سألت فتا كان معها: أين ثلاجة الموتى؟
خرجتُ من باب المستشفى، حركة نشطة في الاتجاهين، من الجنوب للشمال شبان ذاهبون وكلهم أمل لجلب الطحين ومن الشمال للجنوب عائدون يجمل بعضهم طحينا، وآخرون لم يسعفهم "الحظ" فعادوا يحملون حزمة حطب من الأشجار المجرفة، قابلت اثنين بوجهين مغبرين يحمل كل منهما كيسا على كتفه وقد اكتست ملابسهما بالطحين والتراب. نازح من بيت حانون قال إنه مشى 14 كم ذهابا وإيابا من أجل الكيس الذي سيستهلكه 14 فردا ما يعني أنه سيكفي أسبوع على الأكثر ثم يعيد الكرّة.
وعن خطر الموت قال إنه في كل الأحوال ميت: "يقتلوني وأنا أحاول جلب كيس طحين أشرف بمليون مرة من الموت جوعا".