رسائل من غزة

أرشيف خاص

الشتاء شاهد على وجع الغزيين

الكاتب

مأمون أبو صلاح

المكان

مواصي القرارة

تاريخ الحدث

2025-11-14

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتب مأمون أبو صلاح على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:

وللحنين فصل مدلل هو الشتاء، يتغنى به الشعراء،
أمّا أنا، فما زال الشتاء عندي شاهدًا على وجعٍ لا يُمحى، وليلًا عالقًا في ذاكرتي لا يجيء بعده صباح.
ليلة الثامن من شباط لعام 2024 لم تكن فصلًا من فصول العام… كانت فصلًا من فصول الألم الإنساني.
فما زلتُ أُقلِّب في رأسي تلك الليلة البعيدة — ليلةٌ لم تترك في داخلي سوى صقيعٍ يسكن الروح.

خرجتُ من خان يونس، مثقلًا بالخذلان، متّجهًا — كما يفعل الصابرون الذين أرهقهم البقاء — إلى مواصي رفح، آخر ما تبقّى من أرضٍ تستر الهاربين من الموت. لم يكن معي غير حقيبةٍ وبعض الثياب، نحاول — نحن الذين أرهقتنا النجاة — أن نبني خيمةً تؤوينا، كأننا نحاول أن نقيم وطنًا من أقمشةٍ ممزّقة.
حلّ الظلام، وتعثّرت أيدينا بالبرد، فلم نُكمل، واضطررنا إلى النوم في خيمةٍ ضاقت بنا كما ضاق بنا الكون، لا يتعدّى عرضها أربعة أمتار، يسكنها أكثر من عشرة أجسادٍ تبحث عن شبرٍ دافئ في أرضٍ باردةٍ بلا قلب.

تسلّل البرد إلى عظامي كعدوٍّ صامت، قشعريرةٌ مضاعفة عن تلك التي كنتُ أستقبل بها صلاة الفجر في أيّامي الأولى، حين كان النسيم نديًّا محبّبًا، لا يحمل في طيّاته وجعًا ولا خوفًا. لم يكن معي سوى بردةٍ رقيقةٍ أعارني إيّاها صديقي، وحين رأيتُ أبي دون غطاءٍ ألقيتُها عليه. لم أستطع النوم، كانت قدماي تؤلمانني من ضربةٍ تلقّيتها على ذاك الحاجز اللعين، حيث مررتُ على نازيّين لا يعرفون من الإنسانية سوى اسمها المشوّه.

كنتُ أرتجف واقفًا، أعدّ أنفاسي كما يعدّ الأسير لحظاته الأخيرة، إلى أن بزغ الفجر. صلّيت، ثم خارت قواي وسقطت، فقد اجتمع عليّ ما لا يُحتمل: ألمٌ، وبردٌ، تعبٌ، ونعاسٌ يُغالب الحياة.

أُحبّ الشتاء… نعم، أُحبّه، وأُحبّ لياليه وهدوءه ونداه، لكنّ مأساة بلادي جعلت من حنيني إليه وجعًا آخر. يؤلمني أنني ما زلتُ على الشاطئ، غريبًا في أرضٍ هي لي، أنا الذي لو طلبتْ مني بلدي فؤادي ما بخلت، لم تسعني فيها قطعة أرضٍ كملاذٍ آمن من الشتاء.
وما زلتُ أقلب في رأسي كل ليلة، ذكرى الثامن من شباط! 

مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1
الكلمات المفتاحية
مأمون أبو صلاح

تاريخ النشر

2026-03-15

شارك