أصوات من غزة

أرشيف خاص

ماذا فعلتِ بي، أيتها الحرب؟

الكاتب

أحمد نبيل غانم

المكان

مدينة غزة

تاريخ الحدث

2025-05-28

اسم الباحث

سماء معاوية محمد هيكل

كتب الصحفي أحمد نبيل غانم على حسابه الرسمي على موقع فيسبوك:

"ماذا فعلتِ بي، أيتها الحرب؟"
أنا مراسل صحفي دخلت الحرب بالكلمات كنت أظن أن الحبر يكفي، أن اللغة سلاح ناعم يكشف الحقيقة ويضمّد الجراح، فإذا بي أكتشف أن الحقيقة نفسها تنزف، وأن اللغة تنهار أمام مشهد طفل يبحث عن أمّه بين الركام.
الحرب لم تمرّ من حولي فقط، بل مرّت في داخلي. لا تُنقل بالميكروفون، بل بالندبة لا تُفهم بالنشرة، بل بالكوابيس. كل خبر نقلته من قلب الحدث كان كأنني أكتب على جسدي. لم أعد أملك المسافة الآمنة بين الحدث والرواية، صارت روحي هي الميدان.
كثيرًا ما وقفت أمام الضحايا، لا لأسألهم، بل لأعتذر لأن أسئلتي تبدو فجّة، مستعجلة، صغيرة أمام مأساتهم. لأني أعلم أن ما سأقوله في نهاية اليوم، في بثٍ قصير، لا يسع حجم الدمعة في عين أمّ ولا اتساع الرعب في صدر عجوز نجا من المجزرة.
أنا لم آتِ إلى الحرب لأُجمّلها، بل لأفضحها. لكن الحرب ليست خصمًا واضحًا. إنها زاحفة، لزجة، تتسلل حتى في صوتي حين أقرأ الخبر، وحتى في عيني . الحرب جعلتني شاهدًا، لكنها لم تسمح لي بأن أكون حياديًا. من ذا الذي يرى الحطام ويبقى موضوعيًا؟
لقد أكلتنا من الداخل، نحن الذين نحمل الرواية ولا نحمل السلاح. كنا نظن أننا ننقذ الذاكرة من الغرق، فغرقنا فيها. صرنا نحلم بأبسط الأشياء: بصمتٍ لا يقطعه القصف، بجملةٍ لا تنتهي برقم للشهداء ، بوجهٍ لا يحتاج أن يُعرّف نفسه للكاميرا.
أيتها الحرب، لم أعد كما كنت. في كل تقرير كنت أكتب جزءًا من موتي. في كل بثٍّ حي، كنت أُطفئ حيًّا آخر بداخلي. نحن لا نخرج من الحرب، نحن نحملها معنا أينما ذهبنا.
مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2026-07-15

شارك