أصوات من غزة

أرشيف خاص

الحرب تغيّر ملامح الطفولة في غزة

الكاتب

فايقة الصوص

المكان

البريج

تاريخ الحدث

2025-04-19

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتبت أم أيمن الصوص (فايقة الصوص) على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:

طوشة ..
الوقت عصراً، السوق مكتظ بالناس..
بين البسطات معركة حامية، أبطالها سبعة أطفال؛ أربعة بنات وثلاثة أولاد، لا يملكون من الطفولة شيئاً سوى تواريخ ولاداتهم في شهادات الميلاد،
أعمارهم _كما بدت لي_ لا تتجاوز التاسعة، أحجامهم متشابهة حتى لتظن أنهم أتوا إلى الدنيا دفعة واحدة ومن بطن واحدة
أشكالهم متشابهة ، فجميعهم سُمرُ البشرة، شعورهم مجعدة منكوشة، عيونهم واسعة "مبحلقة" ، أظافرهم طويلة قذرة، وألسنتهم حادة كشفرة حلاقة،
ارتفعت وتيرة الاشتباك بينهم، امتدت الأيادي بقسوة أكبر ، واشتغلت الأرجل ، فصالوا وجالوا في البقعة الضيقة المتاحة وسط السوق، وسددوا ركلات متوالية، وكأنهم تدربوا على فنون القتال في نوادٍ رياضية !
أصحاب البسطات يتفرجون، لا أحد يبادر في حل المشكلة، إنهم يقدِّرون أسبابها دون معرفة التفاصيل، بل نصحوني بعدم التدخل، لأن هؤلاء الأطفال أخوة وأبناء عم، وأنهم حسب وصفهم "شمحطية"، متسولون، سرّاقون، كثيروا المشاكل ..
لم أستمع لنصيحة أهل السوق، فاقتربت منهم اكثر، ودخلت وسطهم، ودون جهد كبير مني استطعت فض النزاع بعدما نزعتُ أيديهم المتشابكة في أطواق ملابس بعضهم، وطلبت منهم السكوت، فكتَّفوا أيديهم وسكتوا، ولا ادري سبباً لهذا التكتيف سوى أنه إقرار أدبيّ منهم بالالتزام بالصمت ..
الآن.. المتخاصمون السبعة مُلتَفّون حولي، وأنا لا أعرف "مَنْ مع مَن، ولا مَنْ ضد مَن" ، بينما داخلي يفيض حزناً وغضباً على ضياع الأطفال الذي سببته الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فنزعت منهم الطفولة وقلبت موازين حياتهم، وأتت على كل شيئ حتى على قيمنا الاجتماعية التي باتت مهترئة كما اهترأت خيامنا
سألتهم عن أسمائهم ، فأجابوا بغوغائية تشبه حياتهم، لدرجة انني لم اتذكر اسماً منهم ..
ثم أخبروني انهم جميعاً أخوة وأبناء عم فريقين، ثلاثة مقابل أربعة ..
وحين سألت عن سبب "الطوشة" ردوا بغوغائية أكبر:
= أنا انا انا بدي أقولّك، ثارت عاصفة بينهم، كل واحد منهم أراد أن يكون هو الراوي
_ واحد بس يحكي
= ظهرت ملامح الزعامة على إحدى البنات، فقالت مشيرة بيدها:
أعطاني صاحب تلك البسطة قطعة بيتزا، وما إن قطمت منها قطمة واحدة، حتى نشلتها ابنة عمي من يدي وهربت بها وأكلتها، فلحقتها، ونشبت المعركة كل فريق يساند أخته،
لاتزال البنت تروي وجميعهم يتبادلون النظرات والضحكات، وقد بدت بينهم قوة الانتماء والحميمية رغم العَداء الظاهر ..
ابتسمتُ لهم، وأردت ان أغوص في عالمهم، فسألت:
_ ماذا تفعلون هنا؟
= ابنترزق .. ابنحمل للناس أغراضهم، بنلملم اللي بيزيد من ورا بسطات الخضار، وأحياناً أصحاب البسطات بيعطونا حاجات، زي هيك يعني ..
_ قديش يومية الواحد فيكم
= خمسة شواقل، واحياناً عشرة أو (15)
_ ابتسرقوا ؟!!
= لا والله.. ضحكوا جميعاً بصوتٍ عالٍ، وشددت الزَّعيمة على القسم بأن رفعت السبابة ووضعتها على شفتيها.
_ شو رأيكم أصوركم ؟
= قديش تدفعي؟
_ ادفع شو ؟!
= مَصاري (فلوس)
استغربتْ فضحكتْ
قالت الزعيمة محذِّرة إياهم: محدش يتصور، هاذي الصورة بتبيعها بألف دولار !!
آه والله ، مش رح نتصور إلا إذا اعطيتنا مصاري !
تمرد خمسة منهم على قرار الزعيمة، ووقفوا للصورة ضاحكين، متشابكي الأذرع، "مطعوجين" !
عندئذٍ انضم لهم شاب من الغلابا ، متوسِّلاً إياي أن ألتقط له صورة مع الأطفال، ظنْاً منه أنني من أصحاب المؤسسات أو الجمعيات الخيرية: أمانة يا خالتي، صوريني، والله انا غلبان ومحتاج، وعندي عيلة ، ومش قادر أوفر لهم اللقمة !!
ثم اقترب مني شاب صاحب بسطة قريبة قائلاً: إذا بتقدري تخدميني لا تقصري، فأنا والله محتاج ، والله اعلم بحالي..
فأقنعتهم ألّا علاقة لي بما يظنون، وسألت الله ان يرزقهم جميعاً،
الأطفال حولي، يصرون على أن أمسح صورهم عن جوالي لئلا أقبض عنها ألف دولار !
ضحكت وإياهم ، ومسحت الصور أمامهم، وغادرت المكان ولازالوا يطلبون ثمن الصورة !! ، ولازلتُ مستغربة مما تسلَّل إليهم من ثقافة الانتفاع التي أقرَّتها ممارسات المبادرين والتجار والمرابين مستغلي حاجات الناس في زمن الحرب.
#أم أيمن الصوص (فائقة الصوص)
مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2026-07-05

شارك