ارتقى أخي الوحيد شهيدًا
المصور
بيان أبو سلطان
المكان
مدينة غزة
تاريخ الحدث
2024-03-19
اسم الباحث
لقاء السعدي
كتبت الصحفية بيان أبو سلطان على حسابها الرسمي على موقع انستغرام:
على باب منزله، يقف بلال ليساعد شباب الحي في إنقاذ العالقين تحت الركام بعد أن قصفت آليات الاحتلال عدّة منازل لجيراننا وهم نيامٌ بداخلها صبيحة يوم الثلاثاء. يناولهم جاروفًا؛ ليحفروا وينتشلوا من تبقّى حيًا تحت الأنقاض، ويخبرهم أن “أعيدوا الكريك لأننا سنحتاجه لاحقًا.”
دقائق معدودة مرّت ثم صوت انفجار وصراخ على باب المنزل: طائرةٌ مسيّرة استهدفت بلال بصاروخ تسبّب في ارتقائه شهييدًا.
بضع ساعات من الوداع المصحوب بالصدمة والترقّب الحذر وجثمان الشهييد ملقىً في ساحة المنزل بعد أن انتشلناه من الشارع. لا قدرة لنا على المغادرة للنجاة بأنفسنا ودفن الشهييد في مقبرة؛ فقذائف الدبّابات تمطر الحي، والآليات تحاصرنا من كل صوب وناحية، والطائرات الحربيّة تستهدف كل من يتحرك في الشارع، ورصاص قنّاصاتهم يصيب جدران المنازل بما يشبه الجدري الذي ينتشر بسرعة: حوصرنا في المنزل! ينهار والده ووالدته، ويحتضنانه بكل ما أوتوا من حب، ثم يكرمانه بالدفن: دفنا ابنهما الوحيد تحت أرجوحة المنزل، الأرجوحة التي صنعها والده قبل أكثر من عشرين عام.
يواري الشهييد الثرى، تمرُّ ساعتان، ثم صاروخٌ آخر على باب المنزل: تتطاير الشظايا علينا، الكل جرحى في ساحة البيت، يكتمون صراخهم و يحتملون ألمهم. لا مفر، لا مشفى، لا قدرة على فعل شيء سوى تقديم الإسعافات الأولية التي نعرفها -ولا نعرفها- لوقف النزيف الذي تسبّب ببركة من الدم.
حصارٌ يمتد لما يقارب الأسبوعين ينفذ فيه الماء والطعام، ثم برميل متفجّر يقع وسط عدة مباني ملاصقة لنا فيرتقي كل من فيها شهدااء.
يصارع أحدهم الموت لدقيقتين ويستنجد بنا، يلتهمنا العجز؛ فالدبابة تستقر على بُعد أمتار، والطائرات المسيّرة تطلق النار على امتداد الشارع، والظلام دامس: خروج أيٍ منا لإنقاذ المصاب يعني ارتقائنا بجانبه، لم يكن هناك وقت للتفكير: ويرتقي شهييدٌ آخر.
ثم ارتقى الحيّ بأكمله وفاحت رائحة الشهدااء ولم يتبقّ سوانا.
الرحمة للشهدااء: لأخي الوحيد بلال، لجيراننا آل أبو ناجي، لكل من ارتقى شهييدًا وتبقّى جسده تحت الركام. الشفاء العاجل للجرحى: لمن تلقّوا علاجًا يشبه كل شيء سوى العلاج بسبب حصارنا داخل المنزل وشح الإمكانيّات الطبية. السكينة لقلوب كل من فُجعوا بارتقاء أحبّاءهم، وعزائي الحار اللامتناهي لأمي وأبي بارتقاء ابنهما الوحيد شهييدًا.
طوبى للوطن، واللعنة كل اللعنة على الاحتلال ومن والاه.
مارس 2024
منزلي، حي الشفاء، مدينة غزة، فلسطين.