كتب رائد شنيورة على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
هذا البرج... برج الرشيد، ليس إسمنتًا مسلحًا فقط، بل ذاكرةٌ مسلحةٌ بأول نبضةٍ في قلب الوطن.
هنا، في العام 2005، حيث كنتُ طفلًا يعود من المنفى الطريّ في جسد السعودية، لا يحمل سوى اسمه، وصورةً عن البلاد التي لم يلمسها من قبل.
هنا، في الطابق السادس، تنفست لأول مرة هواءً لم يُفلت من يد البحر، ولم يُصفّد على الحدود.
لا أحد يفهم كيف يمكن أن يتحول بيتٌ إلى أم، ونافذة إلى مرآة، وحارة إلى وطنٍ يربّي فيك العناد والحنين والبكاء.
أربعة أعوامٍ فقط... لكنها أعوامٌ تشبه أعمار الأمم، مضغت فيها رمل الشاطئ، وشربت الحكايات من دكّة الجيران،
وتعلمت أن الوطن ليس مكانًا، بل ما يحيطك حين لا تسأل عن نفسك، لأنك فيها تمامًا.
باع أبي البيت بعد حرب 2009.. وظل فيّ.
رحل الحجر... وبقي النداء.
أُغلقت الشقة... وانفتحت في قلبي نافذة لا تُغلق.
واليوم، رأيتُ البرج ينهار، سقَط كأنه يسقط من ظهري، من كتفي، من رأسي.
ورأيت حارتي، تلك التي كنت أركض فيها خلف ضحكة،
تتحول إلى حفرةٍ في لحم المدينة.
رأيت جدران شبابي تتفتّت، وسقفَ لهجتي ينكسر،
وناسها... أهلي، عزوتي، غربتي حين كنتُ لاجئًا في الداخل — يركضون من تحت الردم، لاجئين من جديد.
أنا، ابن غزة الأصل،
أقف الآن بلا طابقٍ يسند الذاكرة، ولا صورةٍ تُكذّب الموت.
هذا البرج كان بيتي،
وهذا الركام... أنا حين أُهزَم ولا أموت.
فلا تسألوني عن النشيد،
ولا تطلبوا مني قصيدة جديدة،
لأني كتبتها كلها هناك — في الطابق السادس.
وكل بيت بعده،
مجرد خيمة مؤقتة في قلبٍ فقد عناوينه كلها.