كتب محمد العكشية على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
على طريق غزة الساحلي تقرأ لغة غريبة مكتوبة بأيدي عابثة على الأحجار والأشياء، وقد يؤلمك هذا أكثر من الدمار نفسه. كانوا يكتبون على الحواجز الأسمنتية والجدران عبارات وعلامات تشير إلى أماكن تقدمهم وأشياء أخرى. أنا أقرأ العبرية لكنني لا أفهمها.. ولا أريد أن أفهمها. وقد تعلمت حروفها قديمًا وحروف اليونانية في موجة شغف باللغات.
المؤلم في الأمر أننا تخلصنا من العبرية تمامًا منذ سنوات طويلة في غزة.. بقيَت حروفها على هوياتنا الوطنية مع الأسف.. لكنها اختفت عن الشوارع وإشارات المرور وعلامات الطرق ومداخل المؤسسات. كان مؤلمًا جدًّا أن تراها تتجول بكامل الحرية فوق الأشياء وبين البحر والهواء.. وأين؟ قرب غزة!
تحدق في الحروف وتقرأ الكلمات ولا تفهمها.. تمامًا كما يحدث حينما تفكر في كل ما جرى. وتؤلمك الحروف بحد ذاتها بالتواءاتها وطبيعة رسمها واقتباسها الواضح من مخارج حروف العربية! وكيف أن شكلها يرتبط بتجارب قاسية عشناها في الطفولة وما زلنا نعيشها بصفتنا شعبًا نصف محتل.
وتتخيلهم حينما كانوا يتحدثون هنا وهناك بهذه الحروف وتوقن أن البحر أيضًا كان يسمع الحروف ولا يفهمها.. وبقايا الأشجار والحصى والعصافير العابرة من فوقهم رغم الرعب والخراب الذي كانوا يزرعون.. كل شيءٍ هنا لا يفهم غير العربية. وقد تتعاطف الأشياء هنا مع لغاتٍ أخرى غير معادية.. لكنها حتمًا لا يمكن أن تتقبل من تلك الرسومات الأبجدية أو شبه الأبجدية شيئًا.
سمِّ هذا تعصبًا حضاريًّا أو تعاليًا عرقيًّا.. لكنه ببساطةٍ شيءٌ من روح الوطن فينا وكثيرٌ من الإحساس اللغوي الفطري الذي يستطيع التفريق بين مذاق لغةٍ بشريةٍ سليمةٍ وأداةٍ فمويةٍ صُممت لتسهيل التواصل بين القتلة والمفسدين.