كتب د. سعيد محمد الكحلوت عبر صفحته الشخصية على موقع فيسبوك:
دمرتْ الحرب مستشفى الطب النفسي، المستشفى الوحيد الذي يقدم خدمات الصحة العقلية في غزة،ثم ركلت بحذائها العسكري الضخم مرضى المستشفى ومراجعيه، وأغلقت في وجوههم ٤ عيادات كانت تقدم خدمات الرعاية النفسية الأولية لهم.
وحال الحصار المُشدد دون حصولهم على الأدوية الضرورية التي لا تصرف لهم إلا بعد مراجعة وموافقة الأطباء النفسيين .
فساح المرضى النفسيون في الشوراع يَتجرعون مرارة ما يعانوه أصلاً قبل الحرب، فلما اُلُقِي بهم في الشوراع زادتْ المُعاناة وتَضاعفتْ الأزمة بمستواياتها المختلفة فردياً وأسرياً ومجتمعياً.
تضرب قلوبهم نوبات الهلع وتضيق حول أعناقهم حلقات الاكتئاب وتحاصرهم أسوار القلق الشاهقة، وتستفرد بهم الذكريات الصادمة في الصحو وفي النوم _هذا إن قدروا على النوم_تنهال عليهم الوحوش كوابيساً وتُلقي بهم الهلاوس والضلالات في الركن النائي من الحياة، ثم توبخهم الأصوات الداخلية عند أقل هفوة فيسقطون ارضاً يحاولوا أن ينهضوا فيجدوا أنفسهم قد سقطوا عميقاً في حُفر الشك من كل شىء حولهم، تشل حركتهم سلاسل الوسواس فيجدوا أنفسهم مقهورين لطاعة سلطة الاضطراب، تمطر عقولهم مطراً أسوداً من أفكار لا نهائية ليجد بعضهم في الموت راحة من كل هذا الاذى .
فإن عَزّتْ الحرب عنهم الموت قتلاً فالانتحار هو الحل .
ومن لم ينتحر منهم يحول حياته وحياة المحيطين به إلى جحيم يحرق آدامية الطرفين .
بالأمس في عيادة الصحة النفسية جاء مهندسٌ يريد أن يصرف دواء مضاد للذهان لأخته المريضة باضطراب الفصام العقلي، والحق أنني قبل الحرب كنت أعرف الرجل بهدوءه ودماثة خلقه.
لكنه تحت ضغط ما تقوم به أخته المصابة بالذهان والتي من المفترض أن تتلقى خدمات المبيت في مستشفى الطب النفسي.
وجد نفسه منفجراً يرفع آلة حادة في وجوهنا (طاقم العيادة) مهدداً بقتلنا إن لم نوفر لأخته دواء " اللبوبنكس " .
صاح الرجل فينا "أختي تريد أن تقتل طفلتي يا عالم يا ظالم، أريد الدواء الآن ... " .
لكن الدواء غير موجود وتحول إجراءات الحرب والحصار دون حصول المرضى على حقهم فيه .
قصة المهندس وأخته المريضة واحدة من عشرات القصص التي تتكرر يوميا ً في العيادة النفسية الوحيدة في رفح والتي تقدم خدماتها لأكثر من مليون ونصف المليون نازح، معظمهم صاروا بحاجة لجلسات الدعم والعلاج النفسي بفعل الضغط النفسي الحاد الذي يتعرضون له على مدار الساعة تحت الحرب.
سيكون من السهل علينا فهم تأثير خطورة عدم حصول المرضى النفسيين على حقهم في خدمات الصحة العقلية سواء خدمات المبيت أو الأدوية أو التأهيل، إذا علمنا أن ما يقارب ٤٠ ألف مريض نفسي تشكل أمراضهم النفسية خطراً على أنفسهم وعلى المحيطين بهم .
و سيكون من الطبيعي أن ينفجر في وجوه الناس كل يوم ألف مهندس متعلم ومحترم لأنه يعاني مع مريض آخر يعرض حياته أو حياة أحبائه للخطر.
هذا نداء من متخصص في الصحة النفسية للعالم ارحموا المرضى النفسييين وفروا لهم مستشفى بديل للطب النفسي ولا تصادروا حقوقهم في الرعاية والعلاج .
د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية
غزة / فلسطين