كتب ناصر عطا الله عبر صفحته الشخصية على موقع فيسبوك:
خمسون سنة و أنا أجمع كتبي لمكتبتي وأتنقل بها من بلد إلى بلد حتى استقر أمرها في منزلي الأخير في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة ، قررت في سنة رحلت أن أعدَّ مافيها من كتب، وأضع علامات على جغرافيا شراء كل كتاب، وأذكر أول الكتب كان هدية من أخي الكبير رحمه الله، جلبه لي من لبنان وهو ديوان شعر لمحمود درويش ( أوراق الزيتون) كان عمري يومئذ عشر سنوات، وبعدها قررت جمع الكتب بإرادة فردية فكان لي منها حتى وصلت عام 1987ما لا يقل عن 500 كتاب كونت أول مكتبة لي، وكانت معي في غرفة متواضعة وكنا في ناحية الحميدية التابعة لمحافظة طرطوس الساحلية في سوريا، وعندما سافرت لطلب العلم في بولندا جمعت عشرات الكتب المثيرة لإهتمامي والحقتها بعد تخرجي وعودتي لطرطوس مكتبتي التي كانت تنتظرني، والحقت بها كتبًا رصدتها بخفة قناص حتى تزايد عدد الكتب بشكل محلوظ،و مع زواجي واستقلالي عن بيت العائلة، أصبحت مكتبتي تحتل جدارًا بعرض ثلاثة أمتار، ولا أنكر هنا أن الكتب الغالبة ذات الاهتمام بحكم تديني كانت تتناول عقيدتي والسيرة والفقه وعلم النفس مضافة إلى الكتب الاوائل التي غلب عليها طابع الأدب خاصة الشعر والدراسات النقدية والتاريخية والفلسفة.
تركت مكتبتي الأولي بعد أن اخترت القليل جدًا لتنتقل معي إلى غزة في عام 1994، وببعدي عنها تم توزيعها على أفراد عائلتي الذين بقوا في سوريا، ولكنني لم أقف عند نهاية الأولى بل أسست مكتبة جديدة، بحلة متزنة وجامعة بين ثقافات مختلفة، وأجناس متعددة، غلب عليها الأدب بأنواعه، مع الإبقاء على الكتب ذات الطابع الديني، والسياسي والتاريخي والمراجع التوثيقية لسير الأماكن والأشخاص، ولم أتوانى عن جمع كل مهتدى لي من الزملاء والزميلات الكتّاب، حتى كانت مكتبتي عالمي الخاص الذي خصصت لها طابقًا أرضيًا كاملاً في عمارة أسستها لأولادي، وجعلت شرفتها على ثلاث جهات كلها تطل على أشجار الحمضيات والزيتون والنخيل، واللوز ويحف ضفاف الشرفة الوسيعة أحواض ورد موسمية ودائمة تسقى بماء صباحي على صوت حنجرتي وهي تردد أشعاري، و أشعار غيري، ولم أترك مكتبتي للغبار بل كنا على موعد شبه أسبوعي مع حفلة تنظيف وتلميع، ولأنني لا أحب الرتابة، اشغل نفسي كل شهرين أو ثلاثة بنقل الكتب من مكان لآخر، وهكذا أفعل مع مكتبي خاصة مع تبدل المواسم، ولأن مكتبتي مدللة جدًا لاحترامي الكبير لمؤلفي كتبي جعلت نوافذها واسعة لعناقٍ مرصود مع الشمس حيث أشعتها الذهبية تتخلل دفاتها على أكثر من جهة.
مكتبتي اليوم تكومت كعرجون قديم وطمرتها أتربة الجدران التي كانت تحميها، ومنها من تمزق وبعض الكتب انحرقت و كثير من الأغلفة وشهادات التقدير والجوائز اتلفت، ولا اتخيل وضع مكتبتي بما آلت إليه بعد الاعتداء على منزلي وعليها وقصفها بالقذائف وخرقها بالرصاص والإجهاز عليها وكأنّها جبهة حربية تشكل خطرًا على العدو.
اقسم بالله أنها كانت مكتبة وديعة أبطالها شعراء وروائيون وقاصة ومفكرون وفلاسفة وقادة تميزوا بالفطنة والمثابرة لم أشعر معهم في يوم من الأيام بأنهم خطر على أحد، أثروا فكري ولم يهددوا أفراد عائلتي ولا عالمي بالعكس تمامًا كانوا أبطال مكتبتي غذاء لعقلي ولروحي ومدعاة اجتهاد ودعاة إبداع.
مكتبتي المدمرة والمكومة تحت الركام الأن كانت عالمي الأجمل الذي جعلني كائنًا محبًا ومتزنًا و راضيًا بالتسامح والتعايش مع الوجود، ومغلبًا اللطف على الخشونة والقسوة.
فلماذا العدو نال من مكتبتي وكسر رؤوس أصابع مؤلفيها وقمع أبطال كتبها وأخرج أحشاءها بعد أن بقر بطنها المعرفي والمعلوماتي بطريقة وحشية.. لماذا؟
حزين جدًا على مكتبتي ولا أريد لحزني هذا أن ينتهي قبل أن تعود مكتبتي لتقف تحت الشمس ببهائها الجليل مرة أخرى.