كتبت د. تيسير عبد الله على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
قررت اليوم أطلع من الخيمة. أتفقد الرعية في السوق.. يمكن الدنيا صارت أحلى مع الأخبار الجديدة..
أول واحد دايما بلاقيه في وجهي أبو رامي البقال. هو اسمه بقال مجازا. لأنه يبيع في خيمة صغيرة سلعا وبضائع قليلة. كل المحلات عندنا عبارة عن خيام. سألته عن أسعار الزيت والسكر والطحين. أخذ يصفر بشفتيه: هو في حدا لاقيهن. من الصبح الناس دايخة مش لاقية سفة طحين. خفض صوته قليلا: والله أجتني مرة (سيدة) قعدت تعيط بتترجاني بدها ولو عجنة طحين. بتفكرني مخبي عندي منه. وأقسمت لي أن أولادها يبكون طوال الليل. وأبوهم ضربهم حتى يناموا..
- هذا الطحين. طيب والسكر؟.
- شبط وانقطع.
- طيب والزيت؟.
- شبط. وانقطع.
- متى شبط. كان رخيص قبل يومين؟.
- مهو بعد هاليومين. كل الأسعار ولعت.
- الله يبشرك بالخير. بعين الله. إن شاء الله ربنا بفرجها.
سرت قليلا فوجدت أحد أصدقائي القدامي الذين يعملون في الوكالة والمؤن. يعمل على إصلاح سيارته العطلانة على جانب الطريق. قلت له حتى أنتم سياراتكم بتعطل مثل الناس؟.
ضحك. وقال لي: وقت صعب وغريب ربنا ينجينا منه ويعديها على خير.
- المهم وقتيش دورة الطحين الرابعة. الناس ماتت من الجوع؟.
- والله ما في عنها علوم. وما الها موعد.
- كيف سمعنا إنها قريبة. آخر الشهر؟.
- ما حدا بعرف عنها حاجة. حتى الدورة الثالثة لسة ما خلصت.
- يعني ما استفدنا منك حاجة. إذا بصير عندك علم اتصل علي.
- تمام إن شاء الله.
تركته وهو لا يزال يحاول إصلاح سيارته. وميلت على حسن ملك السوق. تعرفت عليه في النزوح. تاجر خضار عظمه قوي. يحرص أن يعرض في خيمته جميع أنواع الخضار. ومبدأه في البيع. (الموجود مش غالي)..
سألته عن ثمن كيلو البطاطا. رد علي 50 شيكل (15 دولار).
وثمن كيلو البندورة. (45) شيكل.
قلت له: يعني الدنيا هيها رخيصة وحلوة. مش عارف ليه الناس بتشكي وبتتمسكن من الغلا.
ضحك وضحكنا..
قال لي يعني مش حتشتري؟.
قلت له: لما ألاقي لحمة. ما بحب الطبيخ بدون لحمة.
علا صوته بالضحك كالعادة. وغادرته..
وصلت إلى الكافيه الذي تجد فيه من يصرفون الرواتب وسحب الأموال بعمولات مرتفعة. سألت أحدهم؟.
عندك صرف اكواد؟ (اكواد من مصطلحات الحرب الجديدة. عبارة عن معونات نقدية تقدمها مؤسسات الإغاثة للنازحين).
- اه
- كم العمولة؟
- %40
- وال. يعني لو سحبتلي ألف شيكل. كم بتعطيني اياهن؟.
- 600 شيكل.
- وأنت بتوخذ 400؟.
نظر لي بنصف عين وهو يعد رزمة المصاري. وشعر أنني أستهزيء به. فعاجلته بالسؤال. طيب وسحب الرواتب؟.
- زيهن.
%40؟.
- آه
- كيف أنا سمعت أقل من هيك. صاحبي سحبهن على 25%؟.
- أنا بعطيك عملة نظيفة تذبح فيها العصفور. مش ممزعة. روح اسحب من ابو 25%.
- ماشي هيني رايح. بس المشكلة ما عندي عصافير بدهن ذبح. أقولك حاجة: أنت عارف سراقين المساعدات طلعو جنب صرافين العملة شوية هبل وبريالة.
- شو يعني؟.
- لا يعني ولا حاجة...
بعد أن تأكدت أن الأوضاع صارت أصعب. وبتغم النفس على الرعية. قررت العودة إلى الخيمة. فالبقاء فيها ربما هو الأخف نكدا وضررا وألما على النفس من مشاهد توجع الناس. وفي طريق عودتي. وجدت صديقا. هذا الصديق طول عمره مصاب بجميع أمراض الدنيا. قلب وسكري وضغط وكلية. لكنه خفيف الظل. ويتقبل أمراضه بطيب نفس. كان يلهث ومتعبا وقد نحف جسمه وبرزت عظام وجهه: سألني بعد أن رحبنا ببعضنا:
شفت معكرونة في طريقك؟.
- والله ما أخذت بالي. هي لابسة عباية ولا جلباب؟.
- ههههه
- من مبارح يا راجل بدور على طحين. متنا من الجوع. ومش لاقي. وصفولنا المعكرونة.
- هي دوا. شو حتعملوا فيها؟.
الناس بدقها وبتطحنها وبترجع تخبزها.
- وبتزبط. بتطلع زاكية؟.
- زاكية ولا زفت. حاجة نسكت فيها الجوع والأولاد الجوعانين من مبارح؟.
- واذا ما لقيت. وما سكت الجوع؟.
- حنوكل خرا.
- هو لسة احنا ما أكلناه؟.
- أكلناه بس مش زي الجاي؟.
- وشو الجاي؟.
- مرحلة التبن والعلف.
- الله لا يقدر يا راجل.
وتركته ونحن نضحك بشكل عبثي وهستيري. وقد قررت أن أعود إلى الخيمة. فهي على قسوتها أخف ألما من الشارع.