قبل ساعات من وقوع الجريمة، دار جدلٌ طويل بين الضحايا الذين أجلهم القدر ، عن الموت والحياة، كتبت إحداهن على جدار البيت الذي قصف لاحقاً على رؤوس ٢٠٠ من النازحين فيه «نجا من مات ومات مَن بقى»، تكررت تلك العبارة كثيراً خلال حرب الإبادة بصيغٍ أكثر رومانسية «الناجي الوحيد هو الشهيــد»
فقد تحولت الحياة في الشهور الأخيرة من الإبادة إلى عبءٍ ثقيل على صاحبه، لكنّ فضولاً تملكني اليوم وأنا أسترجع هول مجزرة عائلة أبو نصر لمعرفة قصص الضحايا واحداً واحداً، تحكي آية أن ١٥٠ شهيداً من أفراد عائلتها ذاقوا طعم الموت مرتين، فقد قصفوا أول مرة وقضى منهم عشرة شهــداء وأصيب آخرون، حينها تحول البيت إلى مأوىً ومقبرة «اقتسم الأحياء البيت مع الجثامين التي تعذر دفنها» ! لستِ أدرِ بماذا فكّر الراحلون، بحثت طويلاً بين الحجارة، ربما انتهت حياة أحدهم قبل أن ينتهي من قراءة رواية إرنست همينغوي «عبر النهر وبين الأشجار»، مناسبة تماماً تلك الرواية للموقف القاسي ..
طوال ساعات من حضورنا اليوم أمام الجرح المفتوح، جلست على حجرٍ في مقابل البيت المقبرة الذي لا يزال يضم جثامين ٧٣ شهيــداً، أرقب كف الجرافة الضخمة وهو ينغرس في الركام، ينتشل حجارة وملابس وألعاب وأغطية ويرمي بها أمام أعين صفٍ من النسوة الفاقدات الثاكلات، تغص الأمهات والأخوات بالدموع «هذا جلباب أختي .. هذا معطف أبي» يمضي الوقت ثقيلاً؛ محاولة العثور على جثامين متحللة بعد عامٍ ونصف العام تشبه البحث عن إبرة في كومة قش، يعثرون أخيراً على بقايا جثمان، تهرع الأمهات يسبقهن قلبهن الملوع: «أنا لو قطعة عظم من ابني بدي أشوفها وأشمها وأحضنها» تقول أمٌ لأحد الرجال الذي حاول منعها رأفةً وشفقةً بها
هذه المجزرة هي واحدة من الوقائع التي لابد أن تخلد، تُرفع كرتاً أحمر في وجه كل وضيع خرِفٍ أحمقٍ سيحاول اليوم أو بعد غد أن يقنعنا بأن ثمة مساحة لتبرير التوحش، أو أن نرى في غير إسـ ـرائيل عدواً للحياة والبشرية