أصوات من غزة

أرشيف خاص

بعض الوجوه لا تُعاد

الكاتب

محمد أبو شمالة

المكان

البريج

تاريخ الحدث

2025-12-24

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتب محمد أبو شمالة على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:

خلال الأيام الماضية، ونحن في تحضيرات فاصلٍ دراميٍّ قصيرٍ في زمنه، ثقيلٍ في معناه، جلسنا مع فريق الإنتاج نبحث عن طفل.
طفل واحد فقط… لكننا كنّا نبحث عن وجهٍ يعرف الكاميرا، عن ملامح لا تمثّل بل تُصدَّق، عن ابتسامة لا تُصنَع بل تُرى.
قلنا: نريد طفلاً عمره قرابة العشر سنوات، وجهه مدوّر، عيناه واسعتان وحلوَتان، شعره منسدل قليلًا، مائل بشقاوة خفيفة، وبراءة لا تحتاج شرحًا.
كنت أعدّد المواصفات بهدوء… ثم انتبهت فجأة: أنا لا أصف طفلًا متخيَّلًا، أنا أصف كريم.
كل كلمة قلتها كانت تستدعيه دون إذن.
وجهه كما كان يظهر على الشاشة بلا جهد، حضوره الذي لا يحتاج توجيه، تلك العلاقة الغريبة بينه وبين الكاميرا؛ كأن العدسة كانت تعرفه مسبقًا.
تذكّرت كليب الجبريني في رمضان 2022، كيف كان وجهه صديقًا للشاشة، وكيف قال الجميع يومها: هذا الطفل يُحَبّ من أول لقطة.
وتذكّرت كليبه عن مدينة غزة قبل الحرب ببضعة أشهر، حين كانت المدينة تضحك من خلاله، وحين كان كريم يمشي بدراجته في المشهد وكأنه يقول: هكذا كنّا… وهكذا كنّا جميلين.
وفي لحظة صمت، أخرجت هاتفي.
عرضتُ على أحد فريق الإنتاج صورةً محفوظة هناك، صورة عادية على الجوال، بلا إضاءة ولا عدسة ولا إعداد.
نظر إليها قليلًا، ثم ابتسم وقال بحماس صادق:
«ممتاز… ممتاز جدًا جدًا جدًا بدنا نجيب الطفل هذا هو المناسب»
رفعت عيني عنه، وقلت بهدوء أثقل من الكلام:
«للأسف… هذا ابني كريم
استُشهِد»
سكت المكان.
لم يعد فاصلًا، ولا تمثيلًا، ولا بحثًا عن طفل
صار المشهد كلّه اعترافًا متأخرًا:
أن بعض الوجوه لا تُعاد،
وأن الكاميرا قد تجد ألف طفل،
لكنها لن تجد من يشبه من كان الحقيقة نفسها،
لا الدور.
مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2026-05-18

شارك