أصوات من غزة

أرشيف خاص

مريم ترثي زوجها أمجد

الكاتب

مريم محمد الأسطل

المكان

مدينة خان يونس

تاريخ الحدث

2025-10-29

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتبت مريم محمد الأسطل على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:

السّلام عليكَ يا صاحبي، السّلام عليكَ يا رفيق الروح،
ها أنا أكتبُ إليكَ للمرَّة الثانية، وما زالت الكلماتُ ترتجفُ بين أناملي كأنَّها تكتُبُ الحنينَ نفسه منذُ عامين..، عامين يا أمجد! وما زلتُ أستيقظُ على صورتِك في مخيِّلتي كأنَّكَ لم تغِب، كأنَّ الفراقَ كذبةٌ طويلةٌ لم أُصدقها بعد.

عامانِ مَرَّا وما تغيَّر في قلبي شيء، ما زالت رُوحِي تأنُّ شوقًا إليكَ، وما زال اسمُك النورَ الذي يبدِّدُ عتمتي، أراكَ في كلِّ تفاصيل الحياةِ من حولي، في المِسبحة التي كنتَ لا تُفارِقها، في مصحفِنا الذي ما زال على المكتب مُضمَّخًا برائحتِك، في كلِّ ذكرى تُمطرُ قلبي وجعًا ورضا.

ها هي الذِكرى الثانية يا أمجد، لا شيء في مكاني كما كان..، البيتُ الذي جمعَنا صارَ رُكـ ـامًا، والمسجدُ الذي كنتَ تُصلِّي فيه غابَ صوته، والأرضُ التي مشينا عليها تناثرت بينَ قصـ ـفٍ وغربةٍ ودمع..، لم يبقَ حولي سوى خيمتي الصغيرة، أعيشُ فيها وحدي، أحتضنُ صورَك، وأحاديثَك، وميداليتي الصغيرة التي ما زالت تحتفظُ بأسمائِنا، تذكّرني أن شيئًا منّا ما زالَ حيًّا رغمَ كلّ ما انطفأ حولي.

عامانِ على رحيلِك يا رفيقَ الدرب، عامانِ وأنا أفتقدُ كلَّ شيءٍ إلّا صبري الذي وهبني اللهُ إيّاه..، لم تبقَ لي جدرانٌ أتكئُ عليها، ولا نافذةٌ تُطلُّ على وجهِك، لكنّ قلبي ما زالَ يسكنُكَ، وكأنّكَ لم تغِب، كأنّك تَعودُ إليَّ مع نسماتِ الليلِ لتُربّتَ على روحي المتعبة وتقول: "اصبري يا مريم، فما بعد الصبرِ إلّا اللِّقاء".

يا مَن تركتَ الدُّنيا على بصيرة، يا من علمتَني أنَّ الحُبَّ الحقيقيّ هو ذاكَ الذي يَرتقي بالروحِ نحوَ الله، كنتَ تقول لي دائمًا: "الدُّنيا زائلة، لكنَّ الأثرَ باقٍ"، وقد صدقتَ يا أمجد، فـ رُوحُكَ باقيةٌ فينا، وصوتُكَ ما زالَ يُؤذِّنُ في قلوبنا: أن اثبُتوا، أن اصبِروا، أن سَيروا على الدربِ الذي لا ينتهي إلّا بالجنة.

أمجدُ محمّد العثامنة، "أبو محمّد"..
الرجلُ الذي عاشَ للهِ، وماتَ في سبيلِه، المُجـ ـاهدُ القـ ـساميّ، المُحفظ، والخطيب، حاملُ القرآنِ والحديث، الذي باعَ نفسَهُ لله فاشترى اللهُ منهُ روحًا طاهرةً لم تعرف إلا النقاء..، ما زالَت ذكراهُ تعطرُ المدينة، وتُلهِمُ الصغارَ قبلَ الكبار، يروي الناسُ عنهُ مواقفَ لا تُعدّ، وأثرًا لا يُمحى، ومحبَّةً زرعها اللهُ لهُ في القلوب.

وقد بلغني يا أمجد، أن أحدَ أصدقائكَ الشـ ـهداء أوصلَ لي رسالةً عنكَ، قال فيها إنك قُبيل استشـ ـهادك رأيتَ رؤيا فقلتَ لهم: "يبدو بدي استشـ ـهد"..، فلما وصل لي نص الرؤيا، وفسرتها لكَ كان التفسير: أنّ اللهَ يُبشّرك بالجنّة..، فما كان ذلك إلا زيادةً في سعادتي، وطمأنينةً لقلبي بأنك مضيتَ إلى اللهِ بقلبٍ راضٍ مطمئنّ، وأنّ روحكَ كانت تعرفُ وجهتَها قبل أن ترحل..، وهناك منْ ذكرَ أيضًا أنّكََ مضيتَ إلى الله وأنتَ تصلي، فكانت خاتمتُك كما عشتَ: ساجدًا خاشعًا، تودّعُ الدنيا على طاعةٍ وحبٍّ لله.

وفي ليلة التاسع والعشرين من أكـ ـتوبر عام ٢٠٢٣م، تلك الليلة التي اشتدَّ فيها القـ ـصف من الساعة الحادية عشرة والنصف مساءً حتى صلاة الفجر، مضيتَ إلى الله يا أمجد..، مضيتَ بين لهبِ الحـ ـربِ ونورِ الإيمان، تمضي والسماءُ تفتحُ أبوابها لاستقبالِ روحٍ طاهرةٍ طالما تاقت إلى الجنة، وتركتَ خلفك أثرًا لا يُمحى، وحبًّا لا يُطفأ.

رحلتَ يا أمجد جسدًا، لكنَّ سيرتَك لم ترحل، بقيتَ في دعاءِ أمّك، وفي دمعةِ أبيكَ، وفي حكاياتِ إخوتكَ الذين يتذكرونك كلَّ فجرٍ مع الأذان، بقيتَ في عيونِ أصدقائك حين يتحدّثون عن الثباتِ والعهدِ والوعد، وبقيتَ في قلبي أنا، أنا التي كنتَ تقول عنها: "هي قلبي، وشقيقة روحي مريمتي الحبيبة"..، بقيتَ فيّ حيًّا لا يموت.

عامانِ من الصبرِ والدعاءِ والرضا، عامانِ ما انطفأ في قلبي الحنين، لكنَّني تعلمتُ أن أُكملَ الطريقَ كما عاهدتُكَ، أن أكونَ كما كنتَ تُريد، مؤمنةً، صابرةً، داعيةً للخيرِ والحقّ، محتسبةً الأجرَ عند الله، موقنةً أنَّ اللقاءَ وعدٌ لا يُخلفهُ الله.

عامانِ وأنا أُقيمُ في خيمةٍ لا تقي البرد، لكنَّها تقي قلبي من اليأس، عامانِ من الغيابِ الذي لم يُطفئ فيَّ الإيمان، من الوحدةِ التي ما زالَ يُنيرُها الأملُ بأنّكَ بخيرٍ في الفردوس.

يا منْ علّمتني أنَّ العطاءَ لله لا يضيع، وأنَّ من وهبَ روحَه في سبيل الله لا يُنسى، يا من رحلتَ شهـ ـيدًا وتركْتَني على طريقِك، أُكملُ ما بدأتَ، أعيشُ على وعدٍ بلقاءٍ لا فِراقَ بعده..، كلُّ شيءٍ تغيّر يا أمجد، حتى رائحةُ المكان، حتى الصمتُ أصبحَ موجعًا أكثر..، لكنّي ما زلتُ أراكَ في السماءِ حين أرفعُ بصري بعد صلاةِ الفجر، وأسمعُك في الآياتِ التي كُنتَ تحفظُها عن ظهر قلب، ما زلتُ أراكَ في كلِّ طفلٍ يضحكُ رغمَ الخوف، في كلِّ امرأةٍ تصبرُ رغمَ الفقد، في كلِّ من قال: اللهمّ اجعلنا من الثابتين.

ما زلتُ أفتقدُكَ في كلِّ تفاصيلِ يومي، في الضحكةِ التي كانتْ تملأ بيتَنا دفئًا، في الكلمةِ التي كانتْ تُعيدُ إليَّ طُمأنينةَ قلبي، في نظرةِ حنانٍ كنتَ تُطفئُ بها وجعي، لكنَّ ما يُواسيني أنَّكَ الآنَ في مقامٍ رفيعٍ، في ظلالِ الجنّةِ التي وعدَ اللهُ بها الشهـ ـداء، تُنادى بأسمائِهم في عليّين، فيسعدونَ ولا يحزنون.

كنتَ دائمًا تقول لي: "كلّ شيءٍ في سبيل الله يهون", وقد صدقتَ، يا أمجد، هانَت الدُّنيا كلُّها بعد رحيلِك، وبقيَ اللهُ فقط..، تعلمتُ بعدكَ أنَّ الرضا ليس سهلًا، لكنهُ جميلٌ حينَ يُثمرُ يقينًا، وأنَّ الفقدَ ليس نهاية، بل بدايةُ عهدٍ جديدٍ بين الأرواحِ التي التقتْ على الطاعةِ فكتبَ اللهُ لها الوصلَ الأبديّ في الجنان.

عامانِ، وأنا أراكَ في الأطفالِ الذين يحفظونَ القرآنَ على خُطاك، في الشبابِ الذين يذكرونَ مواقفكَ في المسجدِ بابتسامةٍ ودمعة، في كلّ من يقول: "رحلَ أمجدُ لكنه تركَ أثرًا لا يُمحى", كيفَ أنساكَ، وأنتَ الأثرُ نفسُه، وأنتَ الحكايةُ التي لن تُغلقَ صفحتُها ما دامَ في الأرضِ من يُحبُّ الله؟!

كنتَ القائـ ـدَ في الميـ ـدان، والمُحفظ في المسجد، والابنَ البارَّ في البيت، والزوجَ الحنونَ الذي علَّمَني أنَّ الرِّجالَ العظماءَ لا يرحلونَ فعلًا، بل يخلِّدُهم اللهُ في القلوبِ والأثر..، كنتَ تحفظُ عن النبيِّ ﷺ قوله: "منْ قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله"، وها أنتَ قد صدقتَ الوعد، فصدقكَ الله، وأكرمَكَ بالشـ ـهادةِ التي تمنّيتَها منذُ خُطانا الأولى معًا.

الحمدُ للهِ على ما أكرمني بكَ، والحمدُ للهِ أن اختارَكَ إليهِ شهـ ـيدًا، والحمدُ للهِ أنّ وهبَني الصبرَ بعدكَ، لأبقى على العهدِ حتى نلتقي.

اللهُمَّ اجعلني على خُطاه، وامنحني الثباتَ كما منحتَه، وبلّغني بهِ منازلَ الشهـ ـداءِ والصالحين، واجعل ذكرَكَ لهُ في قلبي عبادةً لا تنقضي..، يا الله..، قد أخَذتَ منّي كلَّ ما أُحب؛ لكنّك تركتَ لي الإيمانَ بك، وهو أعظمُ ما يُبقي الإنسانَ واقفًا بعدَ العواصف..، ارحم أمجد، واجعل قبرَه روضةً من رياضِ الجنّة، واجمعني بهِ في دارٍ لا خيامَ فيها، ولا خوف، ولا قـ ـصف، ولا وداع.

عامانِ يا أمجد، وما زالَت روحي تكتُبُ اسمَك بالدُّموعِ والدُّعاء.
سلامٌ عليكَ يومَ وُلدتَ، ويومَ استُشـ ـهِدتَ، ويومَ تُبعثُ حيًّا.
سلامٌ عليكَ يا شهــ ـيدَ الرّوح، يا منْ ما زلتَ في قلبي صلاةً لا تنتهي.
سلامٌ عليكَ في الذِكرى الثانية لاستـ ـشهادك.
سلامٌ على وجهِك الطاهر الذي لم يُغادرني يومًا،
وعلى روحِك التي تُؤنسُ وحدتي في خيمتي كلَّ ليلة.

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

هذه ليست كلماتٍ فحسب، بل بقايا قلبٍ كتبَ بحبرِ الدموع وصدقِ الوفاء.

بِقلَم: مَرْيَمَ مُحَمَّد الأسْطل.
زَوجَة الشِّهـ ـيد أَمجَد مُحَمَّد العثَامنَة.

• الذِكرى الثانية، ليلة ٢٩ أكـ ـتوبر ٢٠٢٣م.. ❤️‍🩹

مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1
الكلمات المفتاحية
رثاء

تاريخ النشر

2026-05-09

شارك