من تحت شجرة وضوء صغير في دير البلح خرجت عبر الإنترنت أروي خساراتي التي كتبتها في نص. سألت نفسي مراراً بعد كل انعكاس رأيته في قصة
من أنتِ بعد كل هذه الخسارات؟
الإجابة كانت في لساني الذي يمشي معي كحقيبة أحتفظ بها بالخسارات.
من تحت الشجرة تلك أدركت أنني خارج البيت خارج الأمان الذي يمنحك إياه البيت لا سواه.
والدفء الذي تمنحك إياه العائلة التي كانت تنتظر صباح يوم يأتي فتنجو نحو مكان خالت أنها ستجد فيه نجاتها، فسبقها الصاروخ وقتلها ولم ينجو سوى ابن الصديقة هنادي.
كان يجلس على الكرسي أمامي وجه "هنادي" الصديقة التي أرى فيه شكل العائلة التي احتضنت خوفها معاً فقتلهم الانفجار.
وعن البيت الذي اقتحمه الجيش ووقف الجندي جاثماً فوق ركبتي امرأة يسألها مصوباً سلاحه عن رأيها بفعل قتل المدنيين؟
ووجوهنا الساخرة من سذاجة السؤال حين يصبح مقصلة.
كم من نكتة سقطت على أجسادنا ومزقتها.
عن المدينة التي بدت فعلاً ماضياً في صورة حاضرها، وماضيها أثراً في حواسها والزمن فيها معنى للخسارة.
عن جسارة الكلمة كيف تقفز برشاقة وتطأ رقبة الحرب ليصير كل نص هو طريقة لمواجهة الفناء، وتثبيت المعنى في عالم يتغير باستمرار. لاستأذن "سونتاغ" في جملة يتغير باستمرار واستبدلها بعالم لا يرى الضحية أصلاً. ويقتل الإنسان بالإنسانية.
لقد ناددت الحرب مراراً إذ أنها تملي علي الخسارات كما لو أنني وريثتها الوحيدة. فأخرج كل مرة لأقول:
أنا هنا، أرى، أفكر، أشهد، والكتابة هي فعلاً بديلاً عن البكاء في ظل ترف البكاء بل خسارة فرصة البكاء أصلاً، إذ لا وقت للبكاء، وحتى البكاء لا يفي الخسارات حقها والصراخ تاه.
إنني أجرب أن يكون للصراخ جدوى. الكتابة تسافر بي، وأنا عالقة تحت شجرة نزوحي أروي خساراتي.
من فعالية "الشعر من غزة يلتقي بالتضامن الدولي" والتي نظمتها الحركة اليسارية في بيرستيري/اليونان مساء اليوم الخميس 23/أكتوبر.
هناك قرأت من "تركت وجهي في المرآة"
بلا أثر/ النص الذي أعدت فيه مفهوم "تم مسح العائلة من السجل المدني"
أزهر في طابور الموت/ الأمل على هشاشته لكن به حاولنا.
وأسطورة من طحين/ كيف ماتت الأسطورة على عتبات الوقت جائعة.
ممتنة لهذا الدفء، ودائماً ما كنت خشيتي من أن تبقى الحرب حكايتي الوحيدة.
لكن الخسارات أشد الاختبارات قسوة.