كتب مالك الشنباري على صفحته الشخصية على موقع فيسبوك:
يسيرون مثقَلين كأن الأرض تنزلق من تحت أقدامهم، وجوههم لا تلتفت، وظهورهم معلّقة على ذاكرة مدينةٍ أُغلِق بابها الأخير، غزّة القديمة ظلّت خلفهم، تتقشّر جدرانها مثل جلدٍ مهمل، وتشهق نوافذها بأسماء الذين رحلوا. لم تكن مدينةً فقط، بل قلبًا يقطعه أبناؤه بأقدامهم نحو مجهول لا يشبه سوى التيه.
يحملون بيوتًا كاملة محشورة في أكياسٍ بالية: صورة معلّقة على جدار انكسر، مفتاح بلا باب، وربما حفنة تراب مطويّة في منديل. تلك الأوزان الصغيرة بدت أثقل من كل حرب، وطنًا مطويًّا في صدورهم، الأرض التي سينزحون إليها ليست أرضًا، بقعةً في ركام بالكاد تكفي لظلّ إنسان، 22٪ من الأرض المتبقية لا يوجد بها متسع لكرسيًا واحدًا، ولا تمنح نافذةً لسماء. ضاق كل شيء حتى الجغرافيا نفسها لفظت أصحابها.
سأل طفل بصوتٍ متردّد:
"إلى أين نذهب؟"
تبادل الكبار نظراتٍ باردة، ثم هزّوا أكتافهم بثقلٍ يشبه السقوط. تلك الهزّة لم تكن علامة جهل، بل انكسارًا كاملًا، اعترافًا بأن الطريق بلا نهاية، وبأن الحيرة صارت سيفًا يقطعهم من الداخل.
كانت غزّة خلفهم، تئنّ من خلف الخيام وعلى شرفاتها المحطّمة، تهمس كأمٍّ تُنتزع من صدرها آخر قطعة قلب:
"لا تنسوني… وإن متّم بعيدًا، دعوا أنفاسكم تظلّ عالقة في حجري".