كتب أنيس غنيمة على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
دعني أخبرك عن شكل الحرب من خلال صورة هذا اليوم لمجموعة من الأطفال الخدّج (المولودين قبل الأوان) مكدّسين في حضّانة واحدة داخل المستشفى، يتنفسون أنفاسهم الأخيرة بسبب انقطاع الكهرباء وتوقف عمل المولدات، لتعرف أن هذا هو وجه الحرب الحقيقي... الوجه الذي لا يراه العالم.
بعد أقل من شهرين منذ بدء الحرب، نقل الصحفي محمد بعلوشة صورًا من داخل مستشفى النصر للأطفال، وأظهرت الصور أطفالاً رضع موتى وبحالة تحلل داخل حضانة المستشفى بعد أن تُركوا لمصيرهم لـ 3 أسابيع.
(لاحقًا اغتالت قوات الاحتلال الصحفي نتيجة هذا التقرير.)
-
في نوفمبر 2023، حدثت واحدة من أبشع المجازر خلال حرب الإبادة، حيث اقتحمت قوات مدججة بالسلاح مستشفى الشفاء، وفصلت الكهرباء والمولدات التي تعتمد عليها الأجهزة الحيوية مثل أجهزة التنفس والحضّانات. لم يكتفِ الفاشيون بذلك، بل منعوا إدخال المعقّمات اللازمة للحليب والمصّاصات والعقاقير، وحتى أجهزة الدعم الطارئة للأطفال الذين يعانون من قصور في وظائفهم الحيوية.
في مواجهة الموت المحتّم، اضطر الأطباء إلى نقل الأطفال الخدج من حضّاناتهم الآمنة إلى أسرة عادية، مكدَّسين جنباً إلى جنب، بلا دفء، بلا أكسجين، بلا أدنى فرصة للبقاء. النتيجة؟ 34 طفلاً ومريضاً رحلوا على أسرّتهم.
-
في مارس 2024، توفي 15 طفلاً في مستشفى كمال عدوان نتيجة سوء التغذية، وعدم توفر الدواء، وانعدام الوقود اللازم للتشغيل، وكان من بين الوفيات طفلان توأم عمرهما 13 يوماً.
جلّ ما تمكن العالم ومؤسساته التي سقطت عنها انسانيتها إلى الأبد، هو ما يمكن القول إنه مكافأَة معقولة لهؤلاء القتلة، وبعد ما سمّتها وسائل إعلامية بفضائح "للجيش الأكثر أخلاقية"، وهو قيامه بالضغط على السفاحين القتلة، بدلاً من قتل الخدّج أن ينقلوهم إلى أماكن أخرى، مثلما حدث في أغسطس 2024، عند نقلهم من مستشفى شهداء الأقصى بعد نزوح المرضى والجرحى تحت تهديد القصف الإسرائيلي.
حسنًا لتعرف أن هذا مكافأة، سأخبرك بقصة من عشرات القصص:
بعد علاجٍ مطول شمل الحصول على عشرات الحقن، وبعد طوال انتظار وصل إلى 12 سنة، أجرت السيدة آلاء عملية حقن مجهري، ورزقت أخيراً بطفليها التوأم تحت نيران القصف الهمجي.
كانت آلاء ترفض النزوح إلى جنوبي القطاع، إذ كانت تخشى على طفليها من مشقة الرحلة، ومن محاولاتها لإبقاءهما على قيد الحياة، تنقلت الآء بطفليها إلى مستشفيين لعدم وجود المستلزمات الطبية. لكن الطفل الأول توفي في المستشفى، ولمحاولة إنقاذ طفلتها، تمكّنت الطواقم الطبية بعد طول انتظار من التنسيق لها عبر نقلها إلى مستشفى ميداني في مدينة رفح جنوبي القطاع، تفاجأت الأم بغياب الإمكانيات، وعدم وجود رعاية للأطفال الخدج، سرعان ما توفيت طفلتها بسبب نقص الحليب المناسب لحالتها.
توفي أكثر من 230 طفلاً من الخدج منذ بداية حرب الإبادة، وكانت غالبية الوفيات بسبب اقتحام المستشفيات، وعدم قدرة الطواقم الطبية على مواصلة العمل لإنقاذ الأطفال، أو بسبب حصار المستشفيات، ومنع وصول المساعدات والمستلزمات الطبية إليها، وتعطل مولدات الكهرباء بسبب نفاد الوقود، وتقييد وصول الشاحنات التي تحمل المساعدات العاجلة.
هذا التعطّش لكل ما هو ضعيف وأعزل ليس مجرد فائض عنف عابر، بل بنية نفسية وسياسية متجذرة في أيديولوجيا هذا السرطان منذ وجوده، وهو سياسة ممنهجة لسحق الأمل في مهدِه، ولترسيخ صورة المستشفيات دومًا على أنها مقابر. والنتيجة الحتمية له هو أن يجد الأطفال الذين في حضّاناتهم أنفسهم فجأةً في ساحة إعدام جماعي بلا رحمة، إذ يمكن اعتبار الحياة ذاتها على أنها جريمة يجب إبادتها.