ذات مرة، كنت أستمع إلى برنامج على الراديو، طرح سؤالا ظننته في تلك اللحظة تافها:" ماذا لو كان لديك فرصة لبضع دقائق لتخرج مجبرا من بيتك، وطلبوا منك أن تأخذ المهم معك فقط، ما الذي ستأخذه معك قبل أن تخرج ؟!
لم أكن أتوقع ولا في أصعب الكوابيس التي رأيتها في حياتي، أن أعيش هذا الموقف !!
في الثالث عشر من أكتوبر، وبينما كانت طائرات الاحتلال تقصف غزة بدون رحمة، كانت ابنتي ياسمين لا تستطيع النوم خوفا، تجاوزت الساعة الثانية عشر ليلا، وأنا احتضنها في صالون المنزل، وحينما نامت مرغمة مرهقة، تمددت إلى جانبها لدقائق، بينما غلبنا الإرهاق والنعاس، وتجاوزنا أصوات القذائف الذي لا يتوقف.
عند الثانية فجرا، شعرت بيد زوجي يحاول ايقاظي، نظرت إلى وجهه، كانت ملامحه غريبة، قال لي:" انهضي، سنغادر البيت، لقد طلبوا مني في العمل أن نتوجه إلى الجنوب بأسرع وقت "
لقد كانت تلك الصفعة التي تلقيتها في تلك اللحظة، أكثر صفعات الحياة ألما، وأنا أبتسم لكلمات زوجي:" قومي واجمعي بعض الأغراض المهمة " مهمة !! كل شيء في حياتي مهم .
نظرت حولي، لمست الجدران، كتبي، خزانة ملابسي، ألعاب أطفالي، اللوحات التي رسمتها ياسمين وعلقتها على جدار غرفتها، صورنا وذكرياتنا المعلقة على جدران البيت، مكتب داليا التي درست عليه ثلاث سنوات من الهندسة، ادواتها، كتبها، كتبي المعلقة فوق الرفوف والمجموعة ورقة فوق الورقة منذ عشرين عاما.
مقاعد صالون بيتي البسيطة والتي تحمل ذكريات عمري، حقائب بناتي المدرسية، ملابسنا الجديدة، مطبخي وشجرة الليمون التي تطل من نافذته لتلقي علي تحية الصباح كل يوم.
ما الذي يمكن أن يكون مهما لآخذه، أوذلك الأقل أهمية حتى أتركه ورائي ؟!!!
سحبت غطاء سريري فردته كما فعلت جدتي قبل سبعين عاما وحدقت إلى فراغ القماش المفرود ؛ وضعت اوراقي وشهادات ميلاد أطفالي وكتبهم، ملابسهم الأقدم، لم آخذ شيئا جديدا، كنت أرد على ابنتي وأقول: أتركيه، سنرتديه حينما نعود، وهكذا فعلت مع معظم الأشياء، كنت أرى أن أخذها يعني الرحيل الأبدي، فأردد، اتركوه، سوف نعود قريبا، وكانت كلمة سنعود بحد ذاتها تثير فزعي، وتذكرني بتاريخ طويل من النكبات.
نظرت إلى صندوق ذكرياتي.. ذلك الذي خبأت فيه كل هدية وورقة، وضعت فيه بطاقات كثيرة وصلتني من صديقات، ساعة أمي المتوقفة ، اسورة مشغولة بالخرز اهداني إياها يوسف وهو في الصف الأول، رسومات كثيرة مؤرخة رسمها ابنائي قبل عشر سنوات وأكثر، دفتر مذكراتي القديم، رسالة وحيدة من أمي مكتوبة بخط يدها، بطاقة أهداني إياها نبيل في عيد زواجنا الأول، صور كثيرة للحظاتنا المجنونة، وطفولة أبنائنا"
تركت صندوق ذكرياتي؟!! أخذ الذكريات في هذه اللحظة العصيبة ترف ...
ربطت الملاءة على طعام معلب وقطع ذهبي القليلة وملابس اطفالي وركضنا نحو المجهول!!
ألقينا نظرة أخيرة على الغرف والصور المعلقة على الجدران والكتب المرتبة في المكتبة والمقاعد التي جلسنا عليها منذ عشرين عاما
إنه بيتي ... إنها أشجار اللبلاب التي أحب
ستائري.. صحون الطعام الساخن
ضوضاء ابنتي الصغيرة.. أوراقها ألوانها
جلسة الدفيء في ليال الشتاء
صرخاتنا.. جدراننا.. سترنا
تركنا طعامنا مفرودا على الطاولة وقلوبنا معلقة على مقابض الأبواب ومطبوعة على زجاج النوافذ
ما أصعب السؤال، وما أقسى الإجابة!!