أصوات من غزة

أرشيف خاص

غزة بعد الحرب..

الكاتب

عبد الرحمن إسماعيل

المكان

مدينة غزة

تاريخ الحدث

2025-08-07

اسم الباحث

أفنان فهيد

كتب الصحفي عبد الرحمن إسماعيل على حسابه الرسمي على موقع فيسبوك:
 
لأول مرة منذ أكثر من شهر ونصف، وطأت قدماي شمال غزة. كنت قد نذرت لنفسي قطيعة كاملة مع المكان، بعد تلك الضربة التي استهدفتني في شارع تل الهوى، وخرجت منها حيًّا كمن يخرج من بين أنياب الموت مصادفة.
لكن البارحة، وجدتني أركب سيارة من مفترق البركة في دير البلح، باتجاه مفترق السرايا في قلب غزة. رحلة بسيطة في ظاهرها، لكنها بدت لي كقرار مصيري. لم أعرف بماذا أشعر في تلك اللحظة: هل أفرح لأن السيارات عادت – ربما – إلى الطريق الساحلي؟ أم أخاف لأن لا إعلان رسمي ولا ضوء أخضر واضح من الجيش الإسرائيلي بالسماح بالحركة؟ كانت خطوة محفوفة بكل ما تعنيه كلمة "مجازفة"، لكن لم يكن ثمة خيار آخر. حتى التكاتك تلاشت من الشوارع، كما لو أن المدينة تلفظ آخر أشكالها البسيطة.
جلوسي على كرسي إسفنجي في السيارة، بعد أسابيع من التنقل على مواسير حديدية في التكاتك، بدا وكأنه رفاهية مؤقتة، وربما لحظة استعادة لإنسانيتي المتآكلة. كان الطريق مليئًا بالمطبات الرملية، متعرجًا كقلبي، لكنّ السيارة أقلّتني كما لو أنها تحمل قطعة مني ظلت معلقة هناك.
غزة بعد الحرب ليست كما في الحرب. ثمة محاولة خجولة لأن يبدو كل شيء طبيعيًا، لكنها محاولة تشبه طفلًا يرتدي قميص والده. كل شيء فضفاض، ومربك.
بعد جولتي في نقاط عمل المنظمة، وجدتني أسير وحدي في شارع الجندي المجهول. كنت بحاجة لأن أمشي، ليس فقط للتنقل، بل للهروب من ثقل الداخل. كل شيء كما تركته: الرماد، الرمال، التعرجات، ازدحام الأسواق، المحلات المغلقة بتهم الفساد، وبعضها لا يزال يحمل آثار الدخان على واجهته.
لكن الناس... الناس هم الناس. وجوه بغزية معروفة، ملابس جيدة نسبيًا، ضجيج يشبه ليالي ما قبل العيد في الرمال. تساءلت في داخلي: ما الذي يجذبهم إلى هنا رغم الألم؟ ثم فهمت. إنه الهروب. هروب من الخيام، من ضيق البيوت المستأجرة، من ثقل الإقامة عند الأقرباء، من القلق، من ضيق الحال، من انسداد الأفق. الشارع هنا، ببساطته، صار مساحة نجاة. المشي صار طقسًا، طوق نجاة للقلوب الشابة.
ورغم سعادتي برؤية الحياة تنبض، كانت قدماي تمشي وقلبي يتلفّت. صور المجازر في الجندي المجهول ومفترق السرايا ما زالت طازجة. الخوف لا يفارقك هنا، حتى حين تبتسم.
ركبت السيارة من السرايا للعودة. جلسنا ننتظر اكتمال الركاب. وفجأة، دوّى صوت إطلاق نار قريب، عنيف، حاد. رأيت الناس يركضون، أصحاب البسطات يفرّون، كأنّ الحياة تنهار بلحظة. صرخت نحو السائق:
"يا زلمة حرّك السيارة! بدناش نموت برصاصة طايشة!"
رد أحد الركّاب من الخلف، بلهجة لا تخلو من السخرية:
"يخو، كأنك مش من غزة؟"
أجبته مرتبكًا: "لا... من غزة. من وين يعني؟"
قال: "شكلك من الجنوب. هون إحنا متعودين. تقلقش، ما بدهم إياك."
لم أجد ما أقول. التزمت الصمت، وأدرت وجهي نحو النافذة.
وغزة، كانت لا تزال هناك.
كل شيء يتحرك ، والمدينة من حولي تمثل أنها تواصل حياتها ، لكن داخلي كان ساكناً ، متعباً ، يشبه مقعد السيارة الذي لم يكتمل عليه العدد بعد.
مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2026-06-29

شارك