كتب المهندس حسين نعيم على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
الفراغ القسري: حين يتحوّل المكان إلى عبء نفسي
لا يُقاس الفراغ دائمًا بمساحته، بل بمعناه. وفي سياقات الحرب والتهجير، ينشأ ما يُعرف بـ "الفراغ القسري": الحيّز المكاني الذي يُفرض على الإنسان دون إرادته، ويُجبر على الإقامة فيه تحت ضغط الضرورة، لا بدافع الرغبة أو الاختيار؛ فيجد نفسه داخل مكان لا يُشبهه، ولا يحمل ملامحه، ولا يمنحه شعورًا بالانتماء.
في غزة، بعد الحرب، لم يعد للناس رفاهية اختيار أماكن إقامتهم. باتت المدارس، الخيام، المباني المدمرة، والميادين العامة، الشوارع، محطات سكن مؤقت، وحيزات قسرية تفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية والهوية. ومع تكرار التنقلات القسرية، غاب الإحساس بالاستقرار، وتحوّل المكان الذي كان يُفترض أن يكون مصدرًا للطمأنينة إلى عبء نفسي إضافي.
الفراغ القسري لا يزعزع الإحساس بالأمان فحسب، بل يُحدث تصدعًا في العلاقة الطبيعية بين الإنسان والمكان؛ إذ يفقد الفرد سيطرته على بيئته، ويتشوّش لديه الإحساس بالزمن، وتتلاشى حدود الخصوصية. هذه التجربة، بما تحمله من قلق مزمن وغربة داخلية، تُنتج آثارًا نفسية تتفاوت في شدّتها، أبرزها: التوتر، اضطرابات النوم، ضعف التركيز، الانغلاق، وفقدان الإحساس بالانتماء خاصة لدى الأطفال الذين ينشأون بلا ذاكرة مكانية ثابتة.
إن "الفراغ القسري" ليس مجرد مساحة اضطر الإنسان للعيش فيها؛ بل هو تجربة معمارية ونفسية معقّدة، تُخفي تحت صمتها توترًا متراكمًا، وتشكّل أحد أعمق آثار النزوح القسري في غزة، وأكثرها تأثيرًا على نسيج الفرد والمجتمع.
م.حسين نعيم
24/07/2025