كتبت حكمت المصري على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:
هذا ما حدث مع صديقتي نيفين الدحنون اثناء ذهابها لمركز المساعدات الأمريكية. نيفين تحمل #الجنسية_المصرية كانت في زيارة لغزة قبل الحرب وشاء الله ان تبقي في غزة برفقة أبنائها الاثنين عمران ذو السبع سنوات ، ومالك ذو الست سنوات تعاني من صعوبة الحياه وضنك العيش. تقول نيفين كنتُ أتمني في ذلك اليوم للمخصص للنساء، أن أعود بشيء من الطحين أو القليل من السكر يفرح به أولادي الصغار الذين ما ذاقوا خبزًا منذ زمن. ذهبتُ كثيرًا إلى منطقة العلم والشاكوش في رفح ،كنت أخرج عند الثانية ليلًا وأعود قرابة الحادية عشرة صباحًا، بيدين فارغتين وقلب ثقيل... كل ما أحصل عليه هو "عمر جديد"، أترك أطفالي نائمين على نور الهاتف المحمول، أعد لهم الفطور، وأمشي لساعات وسط الركام والنار والرصاص، بين جثث الشهداء وأنين الجرحى... والجميع يستمر، لا أحد يلتفت، لا أحد يسأل.
في هذا اليوم خرجتُ من البيت في السابعة صباحًا على أمل أن تفتح المساعدات في التاسعة صباحًا، لكنني فوجئت بجموع النساء عائدات وهنّ يحملن أكياسًا، قالن إن المكان سيُفتح مجددًا. واصلتُ المسير... لم يكن معي لا مال ولا طعام، فقط أمل أن أعود بأي شيء. حتى ولو كان كيلو طحين. أبنائي جائعون.
سرتُ كثيرًا... لا أعلم كم من الوقت مر. ساعة ونصف؟ ساعتان؟ ربما أكثر. وصلت أخيرًا... وإذا بي أمام ما بدا لي أنه "كل نساء غزة". زحام، صياح، تزاحم، كأننا في علبة سردين خانقة. دخلت إلى منطقة التوزيع عند القوات الأمريكية، وشعرت ببعض الراحة أنه لا يوجد إطلاق نار. لكن سرعان ما طُلب منّا أن نخرج، أن نعود للخلف مسافة كيلومترين. كيف؟! أنا بالكاد أقف على قدمي. صوت أحدهم بالعربية في مكبر الصوت يصرخ فينا أن نرجع. وبين الهمس والصراخ، جاء من يعلن أن التوزيع أُلغي.
ثم حدث كل شيء فجأة.
دقيقتان فقط، وتحولت الأرض إلى فوضى: إطلاق غاز الفلفل، قنابل غاز، صواعق كهربائية! نعم، أقسم أنني شعرت بصاعق في الهواء. رجال يحملون عصيًّا وأخشابًا يضربون النساء بعنف. نساء تصرخ، تسعل، يسيل لعابهنّ من الغاز، وأنا عاجزة عن الخروج، مزروعة في مكاني، مجبورة على البقاء بين الأجساد المدفوعة دفعًا.
انسحبت بصعوبة إلى خارج الزحام، وجلست أترقب بصيص أمل في أن أعود بشيء لأطفالي. كانوا يرددون في ذهني: "لو ما قدرتي تجيبي الكرتونة، هاتي بس الطحين والسكر، بدنا ناكل خبز وسكر يا ماما..."
ثم جاء التحذير من بعض الشباب الذين قالوا إن "الجيش سينزل". لم أفهم في البداية، ثم رأيت بأم عيني دبابة تصعد جبلًا رمليًا قريب جدًا، والرصاص بدأ يتطاير كالمطر. ركضت، مثل الجميع. وجدت نساء يحتمين خلف جرار مقصوف، ألقيت بجسدي على الرمل. كنا في منطقة بين نار القوات الأمريكية ونار الدبابة، لا نعرف إلى أي جهة ننجو. ثلاث ساعات من الطخ، والغاز، والكرّ والفرّ.
كنا كومة بشر، مرميات فوق بعضنا البعض. واحدة تضع رأسها على حذائي، وأنا أضع رأسي على ساق امرأة، ومجموعة أخرى في حفرة رمل، وأخريات خلف "زنكو" متهالك. ثم دخلت مجموعة نساء يحملن أكياس طحين فارغة، يلوّحن بها، يطلبن السماح لهن بالعودة... وصلت إحداهن بعدنا بقليل، ثم انهال عليهم الرصاص والقنابل.
بحثنا عن أي شيء يحجب الرصاص، حجر، زجاج، حتى لو لم يحجب شيئًا. فقط أن نشعر أن هناك ما بيننا وبين الموت حاجز. بعدما رأيت الموت بأم عينى رجعت إلى أولادي بيدين خاليتين، ووجه مزرّق من الغاز، وقدمين مرتجفتين. ركضوا نحوي من السلم، احتضنوني بقوة، قالوا: "لو رحتي تاني، هنربطك بالفرشة... خفنا عليكي". قالوا إن "طنط أم جاسم" أخبرتهم أن هناك امرأة استُشهدت، فظلوا يبكون، ثم جاءت "أم حمود" برغيفين من الخبز وقالت: "اتغدوا". ردوا: "ماما ولعت نار، عملت لنا فطار وغدا قبل ما تمشي..." والفطور والغداء كانا نصف علبة "بسلة" منتهية الصلاحية، وكبشة أرز مصري أقل من ربع كيلو، قلت لهم قبل أن أغادر: "نصه فطور، والنص التاني بعد الضهر".
كانوا يبكون في حضني، يقبّلون يدي ووجهي وصدري. "مالك" سحبني بقوة، كأنه لا يريد أن يتركني أبدًا. "عمران" يقسم عليّ ألا أخرج مرة أخرى. كأنهم يقولون لي: "لا تتركينا، لا تذهبي من أجل حفنة طحين... لا تستبدلي قُبلة بأزيز رصاصة".
يا الله، كم بهدلتنا هذه الحرب... ذبحت كرامتنا. يا مفاوضين، يا من تساومون على دمنا... لا سامحكم الله، ولا عافى عنكم، ولا أبقاكم شبعانين يومًا في حياتكم.
ملاحظة #الصورة من الأرشيف Hekmat Alian Almasri الدكتورة / حكمت المصري