الجنوب: من المعروف عنك أنك ترفض نسب سمة البطولة إلى نفسك أو إلى زملائك الصحافيين في عملكم النبيل، وهذا موضوع لافت. في غزة ليس لديكم ترف خوض النقاشات القديمة حول مقولة: "تعيسة بلاد لا أبطال فيها"، والرد عليها أن "تعيسة بلاد بحاجة إلى أبطال". ولكنكم توازنون بين المقولتين: فمن ناحية، تؤمنون بضرورة العمل كأبطال دون أدنى رغبة في نسب فعل البطولة إلى أنفسكم. ومن ناحية أخرى، ترون أن موقعيَّة البطولة قد فُرضت على غزة ومقاوميها وصحافييها، وأطبائها، ومسعفيها، وعمالها، وأهلها... وبالتالي، فإن البطولة حاضرة في توكيد واقعها رغم نفي الرغبة فيها. في ظل الدعوة القديمة إلى "تفكيك البطل"، ومقولة إن "البطل ملَّ من دوره"، والرغبة المحمومة للفلسطينيين الراغبين في أن يعيشوا كأناس عاديين في زمن عادي، لا أبطال ولا ضحايا... كيف يمكنكم أن تكونوا أبطالاً عاديين وضحايا محتملين؟
فارس: ما أرفضه على وجه التحديد، هو أن يزاحم الصحافي أبطال قصصه وأخباره على الصورة والبطولة، وهو نقاش مهني ممتد وطويل ومحلُّ جدل، إذ ليس من المنطق ولا المقبول حين أتحدث عن بطل بحجم المزارع يوسف أبو ربيع الذي زرع أرضاً لم تكد تغادرها جرافات الـ"دي ناين D9"، وحرَثها وبذَرها وسَقاها وحَصد ثمرها في ذروة المجاعة تحت سماء من بارود، أن تنزاح البطولة من يوسف أبو ربيع إلى مصور القصة أو كاتبها. أنا أدافع عن حق ومساحة الأبطال الحقيقيين فحسب، لأن كل حظوة يمكن أن ينالها الصحافي سببها بطل الحكاية، ما يعني أن ضيوف القصص والضحايا هم من يصنعوننا وليس العكس. وقد كان مهماً خلال حرب تحاول اقتلاع الوجود، أن نعيد تجليس المفهوم التقليدي للبطولة بوصفها رتبة تُعطى للمقاتل و يتكرر منحها للأطباء والصحافيين ورجال الدفاع المدني وضباط الإسعاف فحسب، لأن كل من رفض التهجير من شمال القطاع كان بطلاً منفرداً من مجموع بطولي: عامل النظافة الذي واصل تنظيف الشوارع رغم تبدد الجسم الإداري للبلديات وانعدام المساءلة، كان بطلاً جديراً بالإشادة، والأمهات اللواتي فُرض عليهن أن يعدن في مستوى الحياة الحضارية إلى العصر الحجري، وحتى الباعة الذين سارعوا إلى بناء مصالحهم فور انتهاء العمليات البرية في المخيمات والمدن... كل أولئك وغيرهم أبطال حافظوا في ذروة حرب الاقتلاع والتهجير على البقاء والوجود، وأدَّوا أدواراً مهمة في صناعة الأمل وتثبيت الناس. ما حاولت قوله دائماً، إن الصحافيين، وأنا واحد منهم، يحصلون على تقديرهم وهم يؤدون دورهم الوظيفي، ثم الأخلاقي والوطني تجاه ناسهم، وكان مهماً أن نعيد صياغة فكرة البطولة في حرب الإبادة، لأننا إزاء عدوان مختلف بأهداف مختلفة.
الجنوب: من باب المسؤولية المهنية والأخلاقية والوطنية، بقيتَ في شمال غزة على الرغم من كل حملات الترهيب والتهديد المباشر المشفوع بأفعال آلة الإبادة "الإسرائيلية" وشركائها. ولك مقولة في غاية التوازن الروحي والنفسي بخصوص ذلك. فأنت لم تترك الميدان وفاءً لأخلاقيات المهنة، ولكنك تنفي البطولة عن نفسك وعن زملائك الصحافيين، وقد امتحنكم الزمان. ومن أبسط معاني البطولة إبطال ما يستطيعه الآخرون، إذ لم يستطع الكثيرون البقاء (وذلك حقهم، وربما واجبهم في الحفاظ على حياتهم وحياة عائلاتهم). فأنتم أبطال حتى بالضرورة اللغوية، وإن لم يحمِكم سلاح اللغة، ولا شارة "صحافة Press" التي تحملونها على صدوركم وظهوركم ورؤوسكم. أليس كذلك؟
فارس: المعادلة التي أجبرتني على البقاء والعمل، هي أن كل ضحية وحكاية لن توثقها أنت ستندثر وكأنها لم تُقتل، وكان عدد الزملاء الذين بقوا في شمال غزة لا يتجاوز في أشهر الإبادة الأولى أصابع اليدين. لقد فقدت خليل ومحمد وحمزة، أبناء أختي إيناس، وكان خليل كوكباً، بل عالَماً، وحين قرأت خبر استشهادهم إلى جانب الرقم "ثلاثة أخوة ووالدهم"، شعرت كم هو مؤذٍ أن يُختزل الإنسان بكل عواطفه المعقدة وطموحاته وعذاباته في رقم بارد. وحينما تكون مهمة تحويل الأرقام الباردة إلى قصص حية خالدة بكل هذه الأهمية والقداسة، وتتكاسل أو تؤْثِر السلامة، فأنت لا تخون المهنة التي رفعتك طوال عمرك مادياً واجتماعياً فقط، إنما تخون عقدك الشفهي وغير المكتوب مع الناس جميعهم، أولئك الذين ساهموا في صناعة مكانتك. وحتى أكون صادقاً، فقرار البقاء في الشمال لم يتخذ بشكل قاطع في اللحظة الأولى، بل كان نتيجة صراع طويل مع الذات تخللته ساعات ضعف وتردد، ونقاشات مع الأصدقاء والعائلة، وحتى المؤسسات التي كنت مرتبطاً بالعمل معها طلبت مني الخروج من الشمال إلى الجنوب لعدم توفر الأدوات اللازمة لإتمام العمل، من كهرباء وإنترنت. وقد كانت عقدة وصم الضحايا بالأرقام الباردة تحاصرني.
ما سبق لا ينفي أن المبالغة في تظهير فكرة البطولة في بعض الأحيان تسلبنا صفاتنا البشرية العادية، مثل الخوف والتردد وحب الحياة، وتعطي الآخر مبرراً لعدم الفعل على اعتبارنا من طينة مغايرة لطينته، فيما الواقع، أننا عشنا الخوف مربَّعاً. لكن "الخوف ليس هو الجبن" كما قال فيصل حوراني في رواية المحاصرون. "الجبان قد يهرب حتى حين لا يوجد ما يخيف، أما غير الجبان فخوفه مما يخيف يحفزه للاستبسال في مواجهته." وأكثر ما يخيف في حرب إبادة كهذه، كان الغياب، أن "تُنسى كأنك لم تكن"، على صعيدي كشخص، وعلى صعيدنا كجماعة وشعب. صدقني، أننا لسنا نبلاء ومسيحيين بالقدر الذي تعتقد، هناك دافع شخصي يتعلق بفرضية أن تنجو من الإبادة وقد رسبت في الاختبار أمام الذات والمهنة والمجتمع والضحايا، وحينئذٍ، ستعيش حياة مزيفة في كل شيء، ستقتلك الردَّة في كل صباح تضطر فيه للنظر إلى وجهك في المرآة.