توجهتُ إلى نقطة توزيع المساعدات الإنسانية في رفح، بعدما اشتقتُ إلى طعمِ الخبز.
لم أحتمل مشاهد الجوعِ والمأساةِ والحسرة على وجوهِ أمي وإخوتي الصغار، فقررتُ حملَ روحي على كفي والتحرك.. لأنني احتقرتُ العجز الذي يحجبني عن سد هذه الحاجةِ القاهرة.
بدايةً وقفتُ لساعاتٍ طوال، فدفعني الجوعُ إلى أن أجلس هاويًا على ركبتيّ، وعينايَ مغرورقتانِ بالدمعِ الذي تحجر على كرامتي الإنسانيةِ الجريحة.
فُتِحَت البوابة، وفُتِحَ معها الرصاص على الأجسادِ الخاوية.
كنتُ أجرُّ جسدي الهزيلَ وأركضُ مع الجموعِ الغفيرةِ من البشر، وكانت رائحةُ دماء الناس المتناثرةِ على الأرض كرائحةِ دماء الأضاحي، ناهيكَ عن روائحِ الجثث التي تعفنت وألقيت على جانبِ الطريق.
جلسنا فوقَ تلةٍ عالية أنا وعشراتُ الآلاف من الجائعين.
فبدأت زخاتُ الرصاصِ تنهالُ علينا، وكل واحدٍ منا زرعَ وجهه في الأرض. كان مذاقُ الرمالِ في فمي مرٌ وأليم، لكن المشهد الأكثر ألمًا كان بالنسبةِ لي أهلي الذين يتكؤونَ على شيءٍ من الأمل بأن آتيهم على قيدِ الحياة حاملاً معي شيئًا من الدقيق.
انتظرنا لساعاتٍ طوال، نظرتُ إلى الناسِ الذين ينزفون ويستغيثونَ من حولهم ليحملوهم للعلاج.
صرخَ بجانبي ابنُ عمي قائلاً: فلنحمل هذا المصاب علنا نأخذ عليهِ أجرًا من الله.
لماذا لقمتنا مغمسةٌ بكل هذا الدم؟!
ركضنا طويلاً هربًا من الرصاص في رمالٍ كثيفةٍ كالوحل.. تارةً نصرخُ من الحصى تحتَ أقدامنا، وتارةً من رقابنا المحنيةِ خوفًا من الإصابة.
وفي نهايةِ المطاف، بعد مطاردةٍ طويلةٍ لحفنتينَ من الدقيقِ والسكر، لم أحصل على شيءٍ من هذه الأحلام البعيدة.
وعدتُ إلى موتٍ من نوعٍ آخر، عدتُ إلى موتِ الجوع.
رجعتُ خالي الوفاض حاملاً معي حسرتي ودموعي، خجلتُ من الدخولِ إلى الخيمة، وشعرتُ أنهم سيبكونَ عندما يشاهدوني عدتُ بكل هذه الخيبة وهذا الإنكسار، لكنهم احتفلوا جميعًا؛ لأنهم وجدوني عدتُ إليهم على قيدِ الحياة!