كتب الصحفي عبد الرحمن إسماعيل على حسابه الرسمي على موقع فيسبوك:
"المرّة الحادية عشرة التي نجوت فيها"
أمس ، كنت في طريقي إلى شمال غزة. المدينة من حولي كانت تسير ببطء، كأنها تزحف في شرايينها المقطوعة، وقد نسيت منذ زمن كيف تتنفس. السيارة تمضي ببطء ثقيل، يُقاس فيه الصمت بيننا أكثر من الوقت. لم أكن وحدي؛ اثنان أمامي، وآخران بجواري في المقعد الخلفي، نتقاسم صمت الرحلة كأننا على وشك الوصول إلى مكان نعرفه منذ زمن ، الحزن
لم نكد نتجاوز مجموعة من الناس على جانب الطريق ، وجوه لن أعرف أسماءها أبداً ، حتى انشقّ الهواء
لم يكن مجرد صوت. كان قسوة تقتحم الواقع وتمزّقه، كأن الزمن نفسه قد اختلّ. أذناي تصرخان بصوت داخلي لا يسمعه أحد، والكون يغرق في دخان كثيف. لا أرى. لا أفكر. لم يبقَ سوى غريزة الحياة.
.السيارة ارتجّت فجأة. ضُربت
مؤخرة المركبة تحطّمت، النوافذ تفتّتت، والغبار ممزوج بطعم دم حديدي يملأ فمي. كل شيء صار أحمر. الدم في كل زاوية. على الزجاج. على المقاعد. عليّ.
الرجلان بجانبي كانا ينزفان ، أحدهما انزلق بجسده، والآخر يتلوّى من الألم. السائق مصاب أيضاً. ومن بجانبه كذلك. صرختُ ، صرخة خامٍ، ممزقة، لا تصدّق
"هل أنتم بخير؟ هل أصيب أحد؟"
لكنني كنت أعلم. كنت أعلم مسبقاً.
لم أسأل نفسي إن كنت على قيد الحياة. لم أتحقّق من جسدي. مددت يدي فوراً إلى الحقيبة الطبية الصغيرة المثبّتة على خصري. أصابعي عملت وحدها، كأنها لا تحتاج عقلاً: شاش، ضغط على الجروح، كلمات مرتجفة كنت أهمس بها لمن هم بين الحياة والموت
وصلنا إلى مستشفى قريب ، لا يبعد سوى مئات الأمتار، لكنه كان يبدو ككوكب آخر. خرجنا مترنّحين، غارقين في الدم والذعر. لكنني حين دخلت، لم أجد الراحة، بل المزيد من الجحيم. المزيد من الأجساد. المزيد من الصرخات. الجرحى يتدفّقون. والموتى أيضاً
بدأت أعمل. أو أوهم نفسي أنني أعمل. أو ربما كنت أهرب من السقوط
بدأت أوثّق، أساعد، أفعل أي شيء إلا أن أنهار.
كان المشهد لا يُوصف
لا يُحتمل. ومع ذلك... نجوت.
مرة أخرى.
هذه كانت المرة الحادية عشرة
إحدى عشرة مرة نجوت فيها من الموت منذ بدأت هذه الحرب. إحدى عشرة فرصة أُعطيت لي لأتنفس، بينما اختُنق الآخرون في اللحظة نفسها.
أتساءل… لماذا؟
لماذا ما زلت حياً، بينما هم ليسوا كذلك؟
وكم مرة أخرى سأظل أطرح هذا السؤال؟
أنا لم أعد أنام
فقط أغيب في كوابيس متنكرة على هيئة راحة. كل حلم مليء بالنار. بالصفارات. بصرخات سمعتها، وأخرى حاولت إسكاتها عبثاً.
اليوم، كنت فقط في طريقي إلى العمل ، لأوثّق حياة محطّمة أخرى
لكن القصة التي كنت ألاحقها… أصبحت قصتي أنا.
مرة أخرى.
ولا أعلم بعد الآن… كيف أحتمل أن أحملها.
اللهم لك الحمد والشكر ولا اعتراض على حكمك 