أصوات من غزة

أرشيف خاص

امنحوا أطفالكم الحنان والتفهم

الكاتب

سعيد محمد الكحلوت

المكان

مدينة غزة

تاريخ الحدث

2025-06-18

اسم الباحث

اسماء محمود مرسى

كتب د. سعيد محمد الكحلوت على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:
 
في الأوقات التي ترتجف فيها النوافذ واوتدة الخيام تحت وقع الانفجارات، وتضيق السماء بدخان القذائف، يصبح الطفل مرآة مكشوفة لأوجاع الكبار، وإن بدا ساكنا في زاويته الصغيرة من الغرفة.
بالعادة لا يقول الطفل انا خائف لأنه لا يملك لغة تشبه لغة الكبار ليشرح كيف ينكسر في داخله الأمان لكنه يرفض النوم وحده، وكذلك يرفض دخول الحمام وحد، يحاول قدر الإمكان أن يلتصق بأمه أو ابيه أو إخوته الكبار، وقد يجد صعوبة في الانخراط في النوم العميق فيفز لاي صوت عالي حتى ولو كان صفق الباب.
من المهم ان نفهم اننا كراشدين يمكننا ان نعتاد الخسارة والفقدان ، سواء بالتقبل أو باعطائها معاني ترتبط بالايمان والعوض من الله والصبر والاحتساب وما إلى ذلك، أما الأطفال فلا يعتادون هذا، إنما يتشكل وعيهم الأول على الخوف. يخطّون ذاكرة لا تشبه تلك التي نُسجت في دفاتر الطفولة الآمنة.
يصير اللعب محاولة لإعادة تمثيل ما لا يُفهم، فيضع الجنديّ على ظهر الدمية، ويدفن الدبدوب تحت الرمل ويُعيد القصف بصوته ويقلده باستمرار لأنه لم يجد تفسيرا لما حدث سوى تقليده. هذه اللغة الرمزية ليست مجرد عبث طفولي، إنها نداء صامت لما اختلّ في داخله، وهنا علينا أن نتنبه لهذه الاشارات غير المنطوقة.
وفي احيان اخرى يتراجع الطفل عن قدراته المكتسبة، فيعود إلى التبول الليلي أو يرفض الذهاب خارج المنزل في المشاوير المعتادة، وهذا ليس لانه عنيد او لانه يكره الخروج، بل لأن العالم الخارجي صار مرادفا للموت.
عزيزتي الام عزيزي الأب:
لا يطلب الطفل منكما ان تكونا محللين نفسين لكنه يطلب عينا حريصة تلاحظ، وحضنا يحتضن دون أسئلة، وقصة تُقرأ في المساء تتجاهل الحرب قليلا.
وحين يرسم مشهدا فيه شمسٌ سوداء وبيوت بلا نوافذ، أو خيمة محترقة فلا تسأله: "لماذا. اجلس بقربه، وقل: "هل تريد أن نرسم بيتا له باب كبير؟". هو لا يريد شرحاً، بل مخرجاً من الذاكرة. هو لا يريد أن يُقال له "أنت بخير"، يريدك أن تطبع تجربته مع الخوف، الخوف ليس عيبا، وأنه يمكننا أن نصلح عالمنا الداخلي بالالوان التي نحب والطريقة التي نرغب. وإن التعبير عن المشاعر يجعلنا اكثر امناً ويحافظ على إنسانيتنا.
في ظل الحرب البغيضة، تصبح الرعاية النفسية مسؤولية محبة، قبل أن تكون برنامجا علاجيا. نحتاج أن نبطئ خطواتنا مع الأطفال، أن نمنحهم الحق في البكاء دون أن نُذكّرهم بمن هم أقل حظا.
ارجوكم لا تقارنوا بين اوجاع اطفالكم واوجاع غيرهم فالوجع لا يُقارن، والحروب لا تُربّى معها المناعة.
وإن كان لا بد من الشفاء، فهو يبدأ حين نصغي، ونحترم مشاعرهم كما هي، دون تقليل أو تهوين أو استهجان أو حتى سخرية.
ليس المطلوب أن نمنع الأطفال من رؤية الحرب، فهذا مستحيل. مطلوب أن نكون قلوبا أكثر حنان على ما رأوه، وآذانا لا تملّ من سماع ما أخفوه.
المطلوب أن نذكّرهم بأنهم يستحقون عالم أفضل، حتى وهم يعيشون أسوأ نسخه. وفي كل مرة يركضون نحوك مذعورين من صوت، كن على يقين أنهم لا يبحثون عن تفسير... إنهم يبحثون عنك.
حفظ الله أطفالنا واطفالكم.
مشاركتك لهذا المنشور قد تنقذ طفلا من الخوف القاتل.
د.سعيد محمد الكحلوت
أخصائي الصحة النفسية وكاتب
غزة فلسطين
مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1
الكلمات المفتاحية
أطفال الإبادة

تاريخ النشر

2026-07-13

شارك