كتبت د. رولا طبيل على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:
صباح عيد الاضحى في غزة
كالعادة طبيبة اطفال في المستشفى اناوب اول ايام العيد ولكن هذه المرة ليس بمستشفى الرنتيسي.الالم خرج من مجمع ناصر الطبي .. الساعة كانت تقارب السابعة صباحًا، عندما وصلنا بلاغ عن إصابة حرجة وتلقيت اتصالا من طبيب الطوارئ ..دكتورة تعالي في شب مصاب واهلو حطوه عنا بالطوارئ…. هرعت نحو قسم الطوارئ ، والضجيج المعتاد لصباحات الحرب خفت قليلًا في هذا اليوم، وكأن حتى الطائرات احترمت لحظة العيد.
كان شاب في الرابعة عشرة من عمره، محمولًا على بطانية، وجهه شاحب، وصدره يغرق في دمائه. كانت الرصاصة – من طائرة مسيرة – قد اخترقت الجانب الأيسر من صدره. لم يكن يرتدي زيًا عسكريًا، بل ثوبًا أبيضًا جديدًا، واضح أنه لم يُكمل به ساعة واحدة.
بينما كنا نحاول إنقاذه، ركض طفل صغير نحو الباب يرتدي جلابية بنية اللون ويحمل في يده سجادة الصلاة … عمره ربما سبع سنوات، كانه عائد من صلاه العيد ..ينادي من الخارج بصوت بريء:
“دكتورة، أخوي… جهز حاله؟ بدو يطلع معاي عالعيد ..وفجاءة طخت علينا الطيارة !”
التفتُّ نحوه ، وشعرت بثقلٍ هائل على صدري. لم أستطع الإجابة. لم أستطع حتى النظر في عينيه.
كان الشاب قد بدأ يفقد النبض… حاولنا الإنعاش، تكررت الصدمات، لكن النزف الداخلي كان أقوى من أي محاولة. وبعد دقائق من الصمت والانتظار، أعلنّا وفاته.
خرجت من الغرفة، وجلست على الدرج للحظة… ومسحت دموعًا لم أعتد السماح لها بالسقوط. الصغير كان ما يزال واقفًا، ينظر إليَّ، ينتظر فقط أن أقول له إن اخاه سيكون بخير.
لكن ما خرج مني كان همسًا مكسورًا:
“اخوك راح لعند الله… راح يسبقك للعيد، بس مش راح ينساك.”
ركض الصغير وهو يبكي، لا يعرف إن كان سيأكل العيدية وحده، أو يلبس الجديد وحده، أو يكبر وحده.
امرأة بثوبٍ منزلي بسيط، وجهها شاحب وعيناها مذعورتان، تبحثان عن شيء لا تريدان أن تجدان الحقيقة فيه. كانت تمسك طرف الباب بيد وترفع الأخرى وهي تردد:
“ابني… ابني وينه؟ قالولي انصاب بس بسيطة! هو قوي… هو بس انصاب، صح؟”
اقتربت منها ببطء، وكأن خطواتي تُحمّلها الحقيقة قبل أن تصلها الكلمات.
نظرت إليّ نظرة واحدة فقط… ثم قرأت الجواب كله في عيني.
شهقت… وانهارت. لم تصرخ كما يفعل الآخرون، بل انكمشت على الأرض، تضم نفسها كما لو أنها تحاول احتضان جسده الغائب. ثم بدأت تهمس، بصوتٍ مخنوق:
“كان لابس جديد… أول مرة يلبسه… قلتله لا تتأخر… حبيبي كان جاي يفطر معي…”
جلست بجوارها… لم أجد ما أقوله. لا شيء يُقال حين تُكسر أم.
ذلك العيد لم يكن لنا.
ذلك العيد كان للسماء.
اول ايام عيد الاضحى في غزة .. بالتحديد مستشفى ناصر