أصوات من غزة

أرشيف خاص

طارق دواس.. استُشهد وهو يوزّع الخبز

الكاتب

وليد الدردساوي

المكان

مدينة غزة

تاريخ الحدث

2025-05-07

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتب وليد الدردساوي على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:

حين سقطت النار على الخبز
في كل يوم، نسعى في المؤسسة التي أعمل بها كمصور أن نوفر ما استطعنا من الخبز للنازحين. ليس مجرد رغيف… بل ما تبقى من الكرامة في زمن الحصار والجوع. ورغم شُحّ التمويل وقِلّة الطحين، لم نتوقف يوماً. وبعد انقطاع الطحين، قررنا أن نصل كل يوم إلى منطقة أو مخيم جديد، نحمل فيه ما بقي من حياة.
في ذلك اليوم، أنهيت توزيع الخبز في تكية تل الهوى، وهي الوحيدة في تلك المنطقة. بعدها، توجهت مع زميلي لتجهيز دفعة جديدة. وصلنا إلى مفترق العائلات، وزميلي كان ينتظرني هناك. كان على اتصال، وقال لي بهدوء: “انتظرني خمس دقائق فقط”.
وقفتُ أنتظر… وفي لحظة خاطفة، هوت النيران من السماء. حمم من اللهب سقطت على مفترق بالميرا، الذي لم يكن يبعد عني سوى خمسين متراً. ركضت نحو المكان… وكل ما رأيته كان الفاجعة.
أجسادٌ مبعثرة على الأرض… عائلات كاملة قد مُحيت. أب وأم وأطفال ملقون بلا حراك، والجرحى يستغيثون. ركضت نحوهم، أُسعف من استطعت، وألقّن الشهادة لمن بقيت به أنفاس. أكثر من عشرة أرواح همستُ في آذانها كلمات الرحيل الأخيرة… بألم لا يُحتمل، وعين دامعة لا تجرؤ على البكاء.
وثّقت الجريمة بعدستي… عدسة ألفت مشاهد الموت، لكنها لم تعتد يومًا على مشهد أطفالٍ رحلوا وهم ممسكون بأيدي أمهاتهم.
وحين هدأ الدخان، عدت مع زميلي إلى مخبز الصاج لنكمل ما بدأناه. وهناك، صُعقنا بخبر استشهاد صاحب المخبز، الشاب الخدوم طارق دواس. يشهد له الجميع بطيبة قلبه، وحرصه على توفير الخبز بأقل تكلفة وأفضل جودة. كان يعمل ليُطعم غيره… فرحل بصمت، دون وداع.
وقبل استشهاده بيوم، جاءت إليه سيدة لا تملك ثمن احتياجاتها الأساسية، وعرضت عليه أن تبيع له ثلاثة كيلوجرامات من الطحين… كانت آخر ما تملكه. فأخذها جانبًا، وضع النقود في يدها، وقال لها: “خذي الطحين لأطفالك… هم أولى.”
كان طارق يزرع الرحمة في قلب الجوع، فاختطفته النيران وهو يحمل الخبز في يده، والنية في قلبه.
حملنا الخبز المتبقي ووزعناه على من بقي في المنطقة… بخجل، بصمت، وقلوب تنزف. لم يكن خبزاً فقط… بل كان وجعاً يُقسم على الجميع، وكان نداءً في وجه العالم:
نحن نموت… ونحمل الخبز في أيدينا
وليد الدردساوي
 
توضيح:
استُشهد طارق دواس في 7 مايو 2025، جراء غارة إسرائيلية استهدفت ساحة مطعم التايلندي والسوق الشعبي المجاور المكتظ بالمدنيين في حي الرمال غرب مدينة غزة، ما أسفر عن استشهاد 33 مدنيًا في مجزرة عُرفت إعلاميًا بـ "مجزرة التايلندي".
الكلمات المفتاحية
مجزرة التايلندي

تاريخ النشر

2026-07-06

شارك