المدينة عمان

العائلة شعث

تاريخ الرسالة 27 سبتمبر 1956

تاريخ النشر 02 مارس 2024

message

 

عمان في 27/9/1956

أوتيل فيلادلفيا

الغالية سميحة

......................................................

قرأت منذ بضعة أيام في جريدة فلسطين خبرين أثاراني وأعادا أمام مخيلتي ذكريات سعيدة تجلب الكثير من الطمأنينة وهناءة الضمير... كان أولهما عن إقامة قداس على روح الطيب الذكر أنطون الحلبي... رجل الأعمال الكبير والوطني المثالي في وطنيته... فعادت بي الذاكرة إلى عام 1923 عندما جاء الصيدلي أنطون الحلبي يدرسنا الكيمياء في كلية الكردينال فراري في القدس. كنا بضعة أشخاص تمثلنا الصورة المعلقة في البيت – خلوصي الخيري ونظيف الخيري وأنا وثلاثة آخرون... فتلقيت على يديه أول دروس حقيقية في الكيمياء حببت هذا العلم إلى نفسي... لقد كان أستاذا " عظيما " فيه إخلاص العلم ونبل كبار النفوس وعطف الأخ يحرص على مصلحتنا بالرغم من غناه وعدم حاجته للتعليم[1]... لقد كان بيته مثابةً لنا ووقته ملكنا لم يرزق بأولاد فصبّ عطفه في نفوسنا... ودرجنا معه عامين طويلين نلت في نهايتهما المتريكيولشن[2] وعملت مدرسا في صفد ثم أرسلت في بعثة إلى الجامعة ولكن عقبة كؤود وقفت في سبيل هذه البعثة إثر إصرار الحكومة على أن أتدبر كفيلاً مالياً موثوقاً يوقع العقد معي ويكفلني في أن أعلّم في الحكومة خمس سنوات بعد تخرجي أو أدفع 400 جنيه... وهو مبلغ جسيم ضخم في عام 1926.. لقد رفض الكثيرون من الأقرباء والأصدقاء على التوقيع وبت قلقاً على مصير البعثة ومستقبلي خصوصا عندما أعطيت بضعة أيام مهلة لإيجاد الكفيل أو تفلت مني هذه النعمة فذهبت أحوم في القدس وأجول على غير هدى وإذا بي التقي بأنطون رحمة الله عليه في مكتبة بولس سعيد – وكان قد مضى على غيابي عنه سنة كاملة – فأقبل عليّ بلهفة يسلم بحرارة ويسألني عن أحوالي ويهنئني بالمترك... فقصصت عليه الأمر دون أن أتوقع شيئاً منه البته وإذا به رحمه الله يقول " إخص عليك يا علي... أتنسى أنني موجود وأنه يسعدني أن أقوم بخدمة صغيرة لك... تعال... تعال إلى إدارة المعارف حالاً.." وأخذني واضعاً ذراعه بذراعي يشجعني ويتحدث إلىّ – طوال الطريق – عن الجامعة التي تخرج منها...ويوصيني بكيت[3] ويحذرني من كيت حتى وصلنا الإدارة ودخل على " بومان " وقال له أنا قادم لتوقيع كفالة " ابني علي "... فأكبر الكل له هذه العاطفة... وقع الأوراق ثم عاد بي إلى صيدليته حيث سلمني بضع رسائل توصية إلى أصدقائه أساتذة الجامعة يوصيهم بي... ثم ودعني قائلاً " سر بسلامة الله موفقا... ولا تنس أنني دائما تحت أمرك..." رحم الله أنطون.. وأسكنه فسيح جناته... وطيب الله ثراه... ثرى الوطني الذي رفض أن ينزح عن القدس في كارثتها عام 1948 وقت أن هرب منها القادرون والكبار والأغنياء وصمم إلا أن يشاطر الفقراء مصيرهم هاتفاً... " لن أغادرها ... لن أغادرها ولو كان في ذلك حتفي ...".

 

وأما الخبر الثاني فهو الذي يقول " ان المحامية إيريك لورتيزو قد مثلت مصر في مؤتمر الخريجات العالمي بباريس وأنها خطبت خطبة رائعة دفاعا عن مصر والعرب... " فعادت بي الذكريات إلى الفتاة الصغيرة اللاجئة الفلسطينية التي كانت تصحب أختها الكبيرة ريتا لورتيزو في أبريل 1948 وقت عنفوان الكارثة عندما جاءتني تطلب العون بعد أن هدم اليهود أوتيل سميراميس في القدس الذي كان يملكه والدها... لقد كانت المسكينة وقتذاك صفراء الوجه شاحبته غائرة العينين تلبس فستاناً مهلهلاً لا تملك غيره... قصت عليّ وهي تبكي كيف دفن والدها ووالدتها وعمتها وخطيبها تحت الأطلال... وكيف أنقذ القدر أختها ريتا وأخاها الصغير معها بعد أن مكثت تحت الردم عشر ساعات وظلت فاقدة النطق بضعة أيام...

لقد قمت بواجبي وقتذاك – كما تعلمين – فمددت يد الواجب للبائستين ريتا وإيريك ومازلت أذكر كيف تركت البنك أدور بهما على مكانٍ مناسب حتى أسكنتهما الهوستيل السويسري أربعة أشهر تعلمت خلالها الكبرى الطباعة فوجدنا لها عملاً في بنك مجاور ساعدها على العناية بنفسها وبشقيقتها التي حرصت على متابعة تعليمها الثانوي ثم الجامعي الحكومي إلى أن تخرجت إيريك محامية تتحدث بالعربية الفصحى وهي الأسبانية الثقافة والأصل.. وتخطب فيها بعد أن كانت لا تكاد تحسن النطق بالكلام العامي... وها هي ذي الآن انسانة محترمة، ناجحة متفوقة ترفع الرأس وتمثل مصر والعرب في مؤتمر عالمي...

ترى هل تمكنت بهذا العمل من رد جميل الطيب الذكر أنطون الحلبي؟ ... إذ ماذا كان يمكن أن يكون مستقبلها لو تُركت دون أن يساعدني الله على القيام نحوها بالواجبين الإنساني والوطني... لقد شعرت يا سميحة بغبطة فياضة وبرضاء تام وراحة ضمير وأنا أقرأ الخبر... وطلبت من الله العلي أن يلهم الخير من يستطيع أن يقوم بمساعدة المسكينة يسرى[4] وأولادها التعساء.. اللهم أمنح ثواب ما الهمتنيه وتمكنت من تقديمه لريتا وإيريك إلى يسرى.. واسترها يا رب كما الهمتني العمل على ستر هاتين الفتاتين الوحيدتين.

 



[1] حاجته للتعليم: حاجته للتدريس، يقصد عدم حاجته للعمل.

[2] المتريكيولشن: شهادة التخرج من المدرسة الثانوية

[3] بكيت: بهذا

[4] بعد وفاة زوجها يسرى هي أخت علي شعث كان يحاول أن ينقلها من يافا مع أبنائها إلى غزة لتلحق بباقي أخوتها


شارك