المدينة ميلانو

العائلة شعث

تاريخ الرسالة 27 أكتوبر 1950

تاريخ النشر 02 مارس 2024

message

 

كان موعدي البارحة بعد الظهر – في الخامسة – مع المدام ستيلا التي زارت يسرى وكنت قد تلفنت إليها فجاءتني إلى الأوتيل فرحة مسرورة بلقياي... وهي سيدة عجوز طيبة القلب جداً فياضة العاطفة، يهودية من يوغسلافيا، وحدثتني ملياً عن يسرى وزوجها وبهيج وراويه اللذين ذكرتهما بالإسم مع أن لها شهرين عائدة من هناك...

تعيش يسرى وزوجها الآن في دار عمه ولكن يسكن معهما ستة عائلات كل واحدة في غرفة إلا يسرى فلها غرفة ومطبخ لوحدها في البدروم... وتسكن أخت هذه السيدة مع زوجها في احدى هذه الغرف!.. أما إبراهيم فكان لا يشتغل ولكنه كان يعيش من أجار غرف هذه الدار التي كان يقبضها من السكان ولكن الحكومة الآن حجزت هذه الأجارات واكتفت بأن اسكنته في الغرفة مجاناً[1]...وقد فتح منذ أربعة أشهر مخزناً في أسفل الدار لبيع الفاكهة والخضار واشترى له حمارا ينقل عليه الخضرة من السوق الذي خصصته الحكومة.

 

أما بهيج وأخته الكبرى فيذهبان إلى المدرسة مع بقية أولاد اليهود ويتعلمون العربية لغة إضافية وقد أخبرتني مدام ستيلا بأنهما وأخوتهما يتكلمون الآن العبرية واليوغسلافية... وكذلك يسرى... لقد باع إبراهيم معظم عفشه ليعيش واكتفى هو ويسرى بالقليل وهما وأولادهما كاليهود يعانون أقسى أنواع الحياة فكل شيء هناك يوزع من الحكومة واللحم والبيض والفاكهة والسكر تقريبا غير موجود أما يسرى فهي حامل! ..................... وقد فهمت من مدام ستيلا أن بيت إم شكري[2] يسكنه نحو عشر عائلات على الأقل...كما فهمت منها أن الحالة الاقتصادية هناك سيئة للغاية بل خطيرة وأنها لهذا هربت هي وزوجها وعادا إلى ميلانو إذ لم يستطيعا أبداً العيش هناك كما هرب كثيرون مثلها تاركين البلاد[3] التي تعيش تحت كابوس إفلاس مخيف... هناك بعض العائلات العربية تجاور يسرى ولكنها لا تخرج أبداً من البيت وهي على وئام تام مع العائلات التي تسكن معها في البيت... الأسواق في يافا فاضية ولكن هناك بعض العرب يعملون في التجارة... أما شارع الملك جورج فكله يهود...

 

مسكينة يسرى.. هذا حظها... سأرسل إليها رسالة كما أوصيت عليها السيدة وقد طمأنتني كثيراً وأخبرتني أنها ستكتب دائما إلى شقيقتها وأقاربها ليعتنوا بها.

بقيت ساعتين أفكر فيها في غرفتي في أمر يسرى ولكن ما العمل هذا نصيبها... أو بالأحرى هذا نصيبنا... نعامل في بلادنا معاملة الغرباء الطريدين الشريدين وكنا قبل لمحة من الدهر سادة معززين!...

 

 

 



[1] الحكومة الإسرائيلية منعت عنه حقه في تأجير بيته وفرضت عليه سكن المهاجرين اليهود داخل بيته

[2] إم شكري هي أخت زوجته سميحة، متزوجة من فائق كنعان وكانت تسكن بيت من دورين- فيلا- في حي راقي

[3] فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي


شارك