المدينة عمان

العائلة شعث

تاريخ الرسالة 07 سبتمبر 1956

تاريخ النشر 24 فبراير 2024

message

  عمان في 7/9/1956

أوتيل فيلادلفيا

الغالية سميحة

......................................................

كنت أسير البارحة في شارع عمان الرئيسي، وإذا بشيخ متهدم يوقفني مسلماً بحرارة ويقول بلهجة " خليلية " مباركة (سلامات.. أنت هانا..) وهات يا بوس... وهات يا عناق... انه محمد اسعد مرقة زميلي في الدراسة أيام كنا أطفالاً في مدرسةِ الخليل سنة 1916... لقد كنا قعيدي حصيرة واحدة مع رشاد الشوا إذ لم يكن في الصف مقعد واحد... تذكرت في لحظة شجرة الكينا الفارعة التي كنت وإياه نجلس مستظلينها في " فسحة الغذاء " نتقاسم معاً " كردوشاً[1]  " من الذرة وبصلة وبضع بندورات وكثيراً من الزعتر أو الدّقة لنزداد حفظاً لدروسنا واتقاناً لتجويدنا القرآن الكريم...

ذكرت كل هذا في لحظات، كما ذكرت براعته في صيد العصافير بمقلاعه، ومهارته في "سرقة" التين من حديقة آل طهبوب المجاورة لبيتنا... يا رعى الله تلك الأيام[2]... أيام دُولِتنا العليه[3]... كنا وقتذاك في صميم الحرب العالمية الأولى حطم الإنكليز غزة بضربهم إياها بالقنابل من البحر ضرباً لا هوادة فيه اضطر سكان هذه المدينة المسكينة إلى الفرار " والنفاد " بجلدهم هائمين على وجوههم تاركين بيوتهم وما يملكون بسبب النار والدمار لا يلوون على شيء... وبهذا كان أهل غزة أول من عرف التشرد وخبر الهجرة... كما كانوا أول لاجئين في فلسطين. لقد هربنا إلى بئر السبع ثم لحقنا الأنكليز فهربنا إلى الخليل ومنها إلى القدس حتى!!! دولة تركيا وتم احتلال الأنكليز لبلادنا ليبدأوا سلسلة طويلة جديدة من العذاب والآلام والاستعباد والتشرد...

سرت قليلاً وزميل الصبى " مَرَقه " ثم افترقنا على موعدٍ في الخليل إن شاء الله.

..................................................

زوجك علي شعث

 



[1]  كردوشاً: كوز ذرة

[2] الله يرحم تلك الأيام

[3] دولتنا العليه: لهجة عامية يقصد بها الاستهزاء أو الترحم


شارك