"حكايات فلسطينية": أرشيف عائلي لما قبل 1967

تاريخ النشر

05 Jun 2023

الكاتب

محمد علاوة حاجي

شارك

استناداً إلى أرشيف ضخم من الرسائل والصوَر والوثائق التي تعود لجدّها الفلسطيني علي رشيد شعث، أسّست الباحثة المصرية سمر دويدار نواة مشروعها الذي سيتحوّل إلى منصّة رقمية تهدف إلى حفظ الذاكرة الاجتماعية والثقافية للعائلات الفلسطينية

 

بدأت الحكاية في أيلول/ سبتمبر 2019؛ حين تسلّمَت الباحثة والقاصّة المصرية المقيمة في القاهرة، سمر دويدار، من والدتها الفلسطينية، صندوقاً يضمّ رسائل ووثائق وصُوراً تعود لجدّها علي رشيد شعث (غزّة 1908 - الإسكندرية 1967). كان الصندوقُ، بالنسبة إلى الحفيدة، بمثابة كنز حقيقي، بالنظر إلى الكمّ الكبير من المواد الأرشيفية المحفوظة فيه: أكثرُ من 300 رسالة ووثيقة و600 صورة عائلية.

عملَت دويدار، لأكثر من عشر سنوات في الصحافة، واهتمّت بقضايا المرأة، وبالتاريخ الشفاهي للنساء الفلسطينيات؛ حيث اشتغلت على توثيق قصص لفلسطينيّات في فلسطين والشتات (الأردن ولبنان ومصر وتونس)، عبر إجراء مقابلات مطوَّلة معهنّ، ضمن عمل أكاديمي يبحث في معنى الانتماء إلى وطن أو فكرة، وفي كيفية تكوُّن الهوية عند أبناء الجيل الثالث من الزواج المختلط لفلسطينيات.

لم يخرج هذا المشروعُ البحثي إلى النور، غير أنّه سيكون نواة عمل روائي تشتغل عليه. وشخصيّاتُه الرئيسية ثلاثُ نساء لكلّ منهنّ قصّة مختلفة لخروج عائلتها من فلسطين بعد النكبة، لكنّ "فلسطين بقيَت حاضرة في حياتهن، وناضلن لجعلها حاضرة في وجدان أبنائهن"، مثلما تقول في حديث إلى "العربي الجديد".

تُخبرنا سمر دويدار أنّ اهتمامها بالبحث في مسألة الهوية والانتماء إلى فلسطين بدأ حين شاهدَت مُقابلة تلفزيونية مع شابّة أميركو- لاتينية من أصل فلسطيني، لم تكُن تتحدّث بالعربية، لكنّها كانت تحمل مفتاح بيت جدّها لأمّها في فلسطين، وتقول إنّ لي بيتاً هناك ومن حقّنا العودة إليه. سيزيد هذا الاهتمام حين تُسلّمها والدتُها رسالة لابن عمٍّ لها موقَّعة بتاريخ 10 أيار/ مايو 1948، أي قبل بضعه أيّام من النكبة، وفيها يصف بشيء مِن التفصيل خروج الأُسرة من بيتها في القدس إلى غزّة. تقول دويدار: "كانت رسالة مربكة ومؤثّرة، وكان وقعُها علي أقوى من وقْع أيّ كتاب في التاريخ"، وتُضيف: "حين رأت والدتي هذا الاهتمام لديّ، سلّمتني صندوق الجدّ".

بوصول الصندوق- الكنز إليها، راحت سمر تتعرّف، لأوّل مرّة، إلى جدّها الفلسطيني الذي رحل قبل سنتَين من ميلادها، ومِن خلاله إلى فلسطين، وإلى جوانب من تاريخها الثقافي والاجتماعي. تَجمع رسائلُ علي رشيد شعث بين الإنساني والتاريخي؛ فهو يتناول فيها تفاصيل من يومياته وذكرياته في مدن فلسطينية قبل نكبة 1948؛ مثل القدس ويافا وصفد والخليل وغزّة؛ وهي تفاصيل تَدحض، مثلما تقول دويدار، مقولة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"؛ إذ تُظهر الوثائقُ أنّه قد تخرّج من "الجامعة الأميركية" في بيروت، وجرت ترقيتُه في "إدارة المعارف الفلسطينية" من الدرجة الثالثة إلى الثانية، واشترى أسهماً في "مناجم الكبريت المحدودة"؛ الشركة الفلسطينية المسجَّلة عام 1929.

بهدف إتاحة هذا الأرشيف للاطّلاع عبر الإنترنت، بوصفه تاريخاً لفلسطين، أطلقَت دويدار، في كانون الأوّل/ ديسمبر 2019، مشروعاً باسم "حكايات فلسطينية". مُستعينة باثنتَين من صديقاتها، بدأَت بتلخيص الرسائل وترتيبها وتصويرها وحفظها في ملفّات خاصّة بالأرشيف، ثُمّ أتبعتها بالوثائق والصوَر. وقد أسفر العملُ في المرحلة الأُولى عن أرشفة 230 وثيقة؛ وهذا الرقم يُقابله عددٌ أكبر من الصفحات؛ باعتبار أنّ الرسالة الواحدة تتألّف من صفحات عدّة، وبعضُها يصل إلى عشرين صفحة.

لكنّ فكرة أُخرى كانت تدور في خلد دويدار، تتمثّل في أنّ صناديق أُخرى لعائلات فلسطينية في فلسطين والشتات قد تكون مخبَّأة في أمكنة ما. إنّها فكرة تُخفي مشروعاً أكبر: ألّا تقتصر "حكايات فلسطينية" على أرشيف علي رشيد شعث، وأن تتوسّع لتتحوّل إلى "أرشيف رقمي للعائلات الفلسطينية" يهدف إلى "الحفاظ على الإرث والذاكرة الشخصية للحياة الاجتماعية والثقافية في فلسطين"، مثلما نقرأ على منصّتها الإلكترونية (www.palestinianstories.com) التي أُطلق بثُّها التجريبي قبل أيام، خلال فعالية احتضنها "بيت المعمار المصري" التابع لوزارة الثقافة المصرية، وضمّت أيضاً معرضاً بعنوان "على بلد المحبوب ودّيني"، قدّم إضاءة على فلسطين في النصف الأوّل من القرن العشرين، من خلال أرشيف عائلة شعث.

في قسم "من نحن"، تُقدِّم "حكايات فلسطينية" نفسها للزائر بأنّها "مُبادرة مصرية/ فلسطينية، تستهدف توثيق الحياة الشخصية والعائلية، الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لسكّان فلسطين ما قبل عام 1967، بالتواصُل مع الجيل الثالث من الفلسطينيّين المُقيمين داخل فلسطين وفي الشتات، للحفاظ على الذاكرة والرواية الشفهية الفلسطينية، من خلال بناء أرشيف رقمي تفاعُلي ومنصّة على الإنترنت، لتُصبح المنصّة بمثابة متحف تفاعلي للإنسان الفلسطيني، والأرشيفُ بمثابة مصدر أوّلي للباحثين".

عن فكرة وهدف المنصّة، تقول دويدار لـ"العربي الجديد": "يتحدّث الإعلام عن الفلسطيني باعتباره بطلاً وشهيداً أو إرهابياً وقاتلاً. لكنّ الفلسطيني، كما تعرّفتُ إليه من خلال رسائل جدّي، إنسانٌ له أحلامُه وطموحاته، له نجاحاته وإخفاقاته. هو إنسانٌ وليس رمزاً. ومن هنا وُلدت فكرة الموقع؛ ليُعطي صوتاً لمن لا صوت له، وأن يصبح منصّة يحكي من خلالها الفلسطيني عن تاريخه الاجتماعي والثقافي والإنساني على أرض فلسطين قبل الاحتلال، من خلال الوثائق والصُّوَر والمقتنيات، ويُسمِع صوته اليوم من خلال إنتاجه الفنّي من لوحات وصُور وتطريز".

تضمُّ واجهة الموقع تسعة أقسام؛ هي: "الرئيسية" و"الرسائل" و"الوثائق" و"الصُّور" و"المقتنيات" والعائلات و"المقالات" و"المتجر" و"من نحن". وتحت عنوان "ذاكرة تقاوم النسيان"، نقرأ في أعلى الصفحة الرئيسية ما يشبه إعلاناً تعريفياً بالمشروع وأهدافه: "كلُّ حكايات الأجداد التي وصلَتنا فقدت جزءاً منها في كلّ مرّة تُليت فيها. لكنّنا، هنا والآن وبأدوات عصرنا، بإمكاننا التغلُّب على هذه العقبة وإنقاذ ذاكرتنا، بأن نتشارك لنجمع قطع البازل من حكايات كلّ الأجداد لنرسم صورة كبيرة لذاكرة تقاوم النسيان".

وفي قسم الرسائل، نطّلع على مجموعة من رسائل علي رشيد شعث، والتي تجمع مضامينُها بين الشخصي والعامّ؛ ومن بينها رسالة موقّعة بتاريخ 22 كانون الثاني/ يناير 1937، وقد بعث بها، حين كان مديراً لمدرسة صفد الثانوية، إلى نسيبه، وتحدّث فيها عن إغلاق المدارس خلال الإضراب الذي قام به الفلسطينيّون ضدّ الانتداب البريطاني ابتداءً من نيسان/ إبريل 1936. ويتحدّث شعث، في رسالة أُخرى من ثماني صفحات بعث بها من عمّان في السابع من تمّوز/ يوليو 1956 إلى زوجته في الإسكندرية، سميحة أحمد التنير، عن قصّة لجوئه الأوّل من غزّة إلى القدس عام 1916.

ونطّلع في قسم الصُّوَر على صوَر بالأبيض والأسود؛ من بينها صورة لنشاط زراعي مع طلّاب مدرسة صفد عام 1937، وأُخرى لرحلة إلى بحيرة طبريا بتاريخ 1947، وثالثة لمعلّمي وطلّاب "مدرسة العامرية" عام 1947، ورابعة لحفل تكريم ووداع لمدير المدرسة علي شعث في العام نفسه.

ونجد عدداً من المواد التجريبية في قسمَي "المقالات" و"المتجر" الذي تُوضّح دويدار أنّه يُعنى بالتعريف بالفنّانين الفلسطينيّين الشباب في مجالات التصوير الفوتوغرافي والفنون التشكيلية والتطريز الفلسطيني. أمّا قسما "الوثائق" و"العائلات"، فلا يتضمّنان أيّة مواد إلى الآن؛ بالنظر إلى أنّ المنصّة لا تزال في أيّامها الأُولى؛ حيث لا يزال يجري تغذيتُها بالمواد، وهو ما يتطلّب جهداً توثيقيّاً ضخماً، وعملاً تشاركيّاً من أصحاب المواد الأرشيفية الذين قد يرغبون في نشرها عبر الموقع. وجديرٌ بالذكر هنا أنّ كلّ الأقسام تتضمّن زاوية تُمكّن الزوّار من إرسال موادهم الخاصّة.

عن تجاوُب أصحاب الأرشيفات الخاصّة مع فكرة إتاحتها عبر المنصّة، تقول سمر دويدار: "حتى الآن، تواصلَت معنا أُسرتان، إحداهُما فرعٌ من عائلة شعث، وأبديتا رغبتهما في إضافة أرشيفهما العائلي إلى المشروع"، مُضيفة: "كلُّ مادّة تُضاف إلى الأرشيف، سيُحدِّد صاحبُها إن كان يريد عرضها بشكل مفتوح على الموقع، أو يُفضّل أن يقتصر الوصول إليها على المؤسّسات والباحثين، موضّحة: "نعمل على إتاحة نماذج فقط من المواد الأرشيفية للجمهور العامّ، بينما سيكون الأرشيف الكامل متاحاً -من خلال اسم دخول وكلمة مرور- للمؤسّسات الأكاديمية والباحثين والأفراد الذين يرغبون في الوصول إلى أرشيفات عائلاتهم".

تُفسّر الكاتبة والباحثة المصرية هذا الخيار بحرصها على حفظ حقوق الملكية الفكرية لأصحاب المواد الأرشيفية، خصوصاً أنّها لم تُسجَّل بعدُ في "المنظَّمة العالمية للملكية الفكرية"؛ وهي خطوة تقول إنّها تتطلّب إجراءات كثيرة (أوّلُها تسجيل المشروع كمؤسَّسة) ليست من السهولة بالنسبة إلى مبادرة تطوّعية وفردية في الأساس.

في انتظار ذلك، تعمل سمر دويدار على إتمام روايتها، مُوظِّفة فيها رسائل جدِّها التي فتحَت لها طريقاً إلى أكثر من اشتغال: نصٌّ أدبي، ومنصّة إلكترونية لجمع وتكوين أرشيفات عائلية مختلفة، ومعارض فنّية توثيقية، إضافة إلى كتاب ورقي في الأفق يجمع رسائل علي رشيد شعث... مشاريع تتعدّد جوانبُها وأدواتُها، لكنّها تلتقي تحت عنوان واحد: ذاكرة فلسطين وهي تُقاوم النسيان.

 

رابط المقال على موقع صحيفة العربي الجديد


عن الكاتب
كاتبٌ وصحافي جزائري من مواليد 1983. بدأ الكتابة الصحافية مدوّناً في 2005، قبل أن يعمل في عدد من المؤسّسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. يعمل منذ 2015 محرّراً في القسم الثقافي بصحيفة "العربي الجديد". في 2021، أطلق موقعاً إلكترونياً باسم "رحبة". صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "ستُّ عيون في العتمة" في 2008، ورواية بعنوان "في رواية أُخرى" في 2013